قال شيخ الإسلام ابن تيمية أن ” الشيطان يتصور لمن يعظم شخصاُ في وصرته فإذا استغاث به أتاه فيظن ذلك الشخص أنه شيخه الميت وقد يقول له أنه بعض الأنبياء أو بعض الصحابة الأموات ويكون هو الشيطان وكثيراً من الناس أهل العبادة والزهد من يأتيه في اليقظة من يقول إنه رسول الله ويظن ذلك حقاً ومن يرى إذا زار قبور الأنبياء أو الصالحين أن صاحب القبر قد خرج إليه فيظن أنه صاحب القبر ذلك النبي أو الرجل الصالح وإنما هو شيطانه أتى في صورته إن كان يعرفها وإلا أتى في صورة إنسان وقال إنه ذلك الميت وكذلك يأتي كثيراً من الناس في مواضع ويقول إنه الخضر فاعتقد إنه الخضر وإنما كان جنياً من الجن ولهذا لم يجترئ الشطان على أن يقول لأحد من الصحابة أنه الخضر وإنما وقع هذا بعد الصحابة وكلما تأخر الأمر كثر حتى أنه يأتي اليهود والنصارى ويقول إنه الخضر ولليهود كنيسة معروفة بكنيسة الخضر وكثير من كنائس النصارى ، والخضر الذي يأتي هذا الشخص غير الخضر الذي يأتي هذا الشخص .
وقال : والذين يدعون الكواكب تتنزل عليهم أشخاص يسمونها روحانية الكواكب وهو شيطان نزل عليه لما أشرك ليغويه كما تدخل ا لشياطين في الأصنام وتكلم أحياناً الناس وتتراءى للسدنة أحياناً ولغيرهم أيضاً وقد سمع صوت ذلك المريد مع بعد المسافة بينهما ثم إن الشيخ يجيبه فيحكي الجني صوت الشيخ للمريد حتى يظن أن الشيخ سمع وصته وأجابه وإلا فصوت الإنسان يمتنع أن يبلغ مسيرة يوم ويومين وأكثر .
وقال شيخ الإسلام ” وأعرف عدداً كثيراً وقع لهم في عدة أشخاص يقول لي كل من الأشخاص : إني لم أعرف أن هذا استغاث بي ، والمستغيث قد رأى ذلك الذي هو على صورة هذا ، وما أعتقد أنه إلا هذا وذكر لي غير واحد أنهم استغاثوا بي ، كل يذكر قصة غير قصة صاحبه ، فأخبرت كل منهم : إني لم أجب أحداً منهم ، ولا علمت باستعانته ، فقيل ، هذا يكون ملكاً .
فقلت : الملك لا يغيث المشرك ، إنما هو شيطان أراد أن يضله .
وكذلك يتصور بصورته ويقف بعرفات ، فيظن من يحسن به الظن أنه وقف بعرفات ، وكثير منهم حمله الشيطان إلى عرفات أو غيرها من الحرم ، فيتجاوز الميقات بلا إحرام ولا تلبيه ، ولا يطوف بالبيت ولا بالصفا والمروه وفيهم من لا يعبر مكة ، وفيهم من يقف بعرفات ويرجع ولا يرمي الجمار إلى أمثال ذلك من الأمور التي يضلهم بها الشيطان حيث فعلوا ما هو منهي عنه في الشرع .
وقال شيخ الإسلام في موضع آخر : ” لكن الشياطين تظهر عند كل قوم بما لا ينكرونه فإذا كان القوم كفاراً لا ينكرون السحر والكهانة كما كانت الأمة وإن كان هذا مذموماً عند أولئك كما قد ظهر ذم هؤلاء عند أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى أظهرته الشياطين فيمن يظهر العبادة ولا يكون مخلصاً لله في عبادته متبعاً للأنبياء بل يكون فيه شرك ونفق وبدعة فتظهر له هذه الأمور التي ظهرت للكهان والسحرة حتى يظن أولئك أن هذه من كرامات الصالحين وأن ما هو عليه من العبادة هو طريق أولياء الله وإن كان مخالفاً لطريق الأنبياء حتى يعتقد من يعتقد أن لله طريقاً يسلكها أولياؤها غير الإيمان بالأنبياء وتصديقهم ” .
8- قال شيخ الإسلام ” وأهل العزائم والأقسام يقسمون على بعضهم – أي الجن – ليعينهم على بعض من لجن أيضاً ، تارة يبرون فسمه وكثيراً لا يفعلون ذلك ، بأن يكون ذلك الجني معظماً عندهم ، وليس للمعزوم وعزيمته من الحرمة ما يقتضي إعانتهم على ذلك ، إذا كان المعزوم قد يكون بمنزلة الذي يحلف غيره ويقسم عليه بمن يعظمه وهذا تختلف أحواله . فمن أقسم على الناس ليؤذوا من هو عظيم عندهم لم يلتفتوا إليه وقد يكون ذاك منيعاً ، فأحوالهم شبيهة بأحوال الإنس أعقل وأصدق وأعدل وأوفى بالعهد ، والجن أجهل وأكذب وأظلم وأغدر ” والمقصود أن أرباب العزائم كثيراً ما يعجزون عن دفع الجني وكثيراً ما تسخر منهم الجن إذا طلبوا منهم قتل الجني الصارع للإنسي أو حبسه فيخليوا لهم أنهم قتلوه أو حبسوه ويكون ذلك تخيلاً وكذباً .
ومن هنا نتبين أن هؤلاء الذين يستعينون بالجن بالإضافة إلى وقوعهم في الشرك فإن إعانة الجن لهم غالباً غير مضمونه لكذبهم وجهلهم وغدرهم ومشروطة بقدرتهم على من يريد المستعين بهم أن يؤذوه ، فهؤلاء المعالجون لا على ما أرادوا حصلوا ولا لعبادة ربهم أخلصوا ، فانظر كيف أضلهم الشيطان .
شبهة في الاستغاثة :
أن الناس كما ثبت في الحديث الصحيح يستغيثون يوم القيامة بآدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم بعيسى ، فكلهم يعتذرون حتى ينتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركاً .
الرد :
الجواب أن نقول : إن الاستغاثة بالمخلوق الحاضر في ما يقدر عليه لا ننكرها طالما هو حاضر وبحسب الأفعال الظاهرة وفيما ليس من خصائص الله .
وهذا كما قال تعالى : ” فاستغاثة الذي من شيعته على الذي من عدوه ” وكما يستغيث الإنسان بأصحابه على الأمور التي يقدر عليها المخلوق ، وإنما الإنكار وقع بالنسبة لاستغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء ، أو الاستغاثة بالغائبين كالجن مثلاً ، وفيما لا يقدر عليه إلا الله والذي من خصائصه تعالى .
شبهة من كلام شيخ الإسلام في حكم استخدام الجن والاستعانة بهم :
يقول شيخ الإسلام أن ذلك له أحوال ثلاثة :
– فمن كان يستخدم الجن في طاعة الله كمن يأمرهم بما أمر الله به ورسوله من عبادة الله وحده وطاعة نبيه ، ويأمر الإنس بذلك ، فهذا من أفضل أولياء تعالى ، وهو في ذلك من خلفاء الرسول ونوابه .
– ومن كان يستعمل الجن في أمور مباحه له فهو كمن استعمل الإنس في أمور مباحة له ، وهذا كان يأمرهم بما يجب عليهم وينهاهم عما حرم عليهم ويستعملهم في مباحات له ، فيكون بمنزلة الملوك الذين يفعلون مثل ذلك .
– من يستعملهم فيما ينهي الله عنه ورسوله إما في الشرك وإما في قتل معصوم الدم أو العدوان عليهم بغير القتل كتمريض وإنسائه العلم وغير ذلك من الظلم ، وأما في فاحشة كجلب من يطلب منه الفاحشة فهذا قد استعان بهم على الإثم والعدوان ، ثم إن استعان بهم على الكفر فهو كافر وإن استعان بهم على المعاصي فهو عاص .
الرد :
هذه هي الشبهة التي احتج بها بعض المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة والمعتقدين عقيدة السلف وهي التي دفعت كثيراً من المعالجين إلى أن يتفق مع الجني ليساعده في علاج بعض الحالات المستعصية ، ثم يأمره بالدخول في بدن المصروع ليخرج الجني الآخر إن كان أضعف منه ، وهذه النصوص التي وردت عن شيخ الإسلام فهي نصوص عامة فتعالوا نفهمها من كلام شيخ الإسلام بشيء من التفصيل لأن غير المفهوم من كلامه يعرض على المفهوم من كلامه رحمه الله والذي فصله كما يلي :
قال ما نصه : ومن الناس من يستخدم من يستخدمه من الإنس في أمور مباحة كذلك فيهم من يستخدم الجن في أمور مباحة لكن هؤلاء لا يخدمهم الإنس والجن إلا بعوض مثل أن يخدموهم أو يعينوهم على بعض مقاصدهم وإلا فليس أحد من الإنس والجن أن يفعل شيئاً إلا لغرض إلى أن قال وليس أحد من الناس تطيعه الجن طاعة مطلقة كما كانت تطيع سليمان بتسخير من الله وأمر منه من غير معارضه كما أن الطير كانت تطيعه والريح قال تعالى : ” ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير * يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور ” ] سبأ : 12 ، 13 [ إلى أن قال فإنه لا يستطيع أحد أن يسخر الجن مطلقاً لطاعته ولا يستخدم أحد منهم إلا بمعاوضه إما عمل مذموم تحبه الجن وإما قول تخضع له الشياطين كالأقسام والعزائم فإن كل جني فوقه من هو أعلى منه فقد يخدمون الناس طاعة لمن فوقهم كما يخدم بعض الإنس لمن أمرهم سلطانهم بخدمته لكتاب معه منه وهم كارهون طاعته وقد يأخذون منه ذلك الكتاب ولا يطيعونه وقد يقتلونه أو يمرضونه فكثير من الماس قتلته الجن كما يصرعونهم ثم قال رحمه الله ” والجن أعظم شيطنه وأقل عقلاً وأكثر جهلاً والجني قد يحب الإنس كما يحب الإنسي الإنسي وكما يحب الرجل المرأة والمرأة الرجل ويغار عليه ويخدمه بأشياء وإذا صار مع غيره فقد يعاقبه بالقتل وغيره كل هذا واقع ثم الذي يخدمونه تارة يسرقون له شيئاً من أموال الناس مما لم يذكر اسم الله عليه ويأتونه إما بطعام وإما بشراب وإما لباس وإما نقد وإما غير ذلك من معجزات الأنبياء ولا كرامات الصالحين فإن ذلك إنما يفعلونه بسبب شرك وظلم وفاحشة وهو لو كان مباحاً لم يجز أن يفعل بهذا السبب فكيف إذا كان نفسه ظلماً محرماً لكونه من الظلم والفواحش ونحو ذلك وقد يخبرونه بأمور غائبة مما رأوه ” .
الشاهد من كلامه :
1- لا يخدمهم الإنس والجن إلا بعوض مثل أن يخدموهم كما يخدموهم أو يعينوهم .
2- ليس أحد من الناس تطيعه الجن طاعة مطلقة كما كانت تطيع سليمان عليه السلام من غير معاوضه .
3- ولا يستخدم أحد منهم إلا معاوضه إما عمل مذموم تحبه وإما قول تخضع له الشياطين كالأقسام والعزائم فإن كل جني فوقه من هو أعلى منه .
4- وهو لو كان مباحاً لم يجز أن يفعل بهذا السبب .
وفي مسألة استخدام الجن في العلاج أمر آخر وهو أنه متفق مع الجن على أن يحضروا على بدن إنسان فيصرعه ويتكلم على لسانه لإخباره بأمور من الغيب النسبي الذي قد غاب عنا وقد يكون الجني بعلمه وحضور الجن على بدن المصروع وتلبسه به وكلامه على لسانه رغماً عنه أمر لا يجوز لأنه يخامر عقله ويغيبه ولو وجب على الإنسان قول أو فعل في تلك الحالة فماذا يصنع ؟ ولا شك أن سؤال الجن عن بعض الأمور الغائبة عنا وإن كانت من المباحات لم يفعله الصحابة والسلف رضوان الله عليهم وإنما هي أفعال الكهنة والسحرة وليبس عند الإنسان ما يميز به الصدق من الكذب وإلا فهل يجوز مثلاً سؤال الجن عن مكان الشيء المسروق والضالة ؟ أليست هذه أموراً مباحة وهل يقول بذلك أحد ؟ وهل يشمل كلام شيخ الإسلام ذلك قال البغوي تعريف الكاهن والعراف هو الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات مستدلاً بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك وقال ابن تيمية ” العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق ” ويحتمل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة الاستخدام أنن يكون هذا الانتفاع بما يفعله الجني أو يخبر به من غير طلب منا ولا سؤال وإلا فشيخ الإسلام ابن تيمية ولا غيره من أهل العلم ينقل عنه حرف واحد من طريق صحيح من شيء من ذلك وما أحسن ما قاله سواد من قارب رضي الله عنه لعمر رضي الله عنه حين سأله هل يأتيك رئيك الآن فقال منذ قرأت القرآن لم يأتني ونعم العوض كتاب الله عز وجل رواه البيهقي راجع تفسير ابن كثير ج4 / 168 مع أن هذا الجني هو الذي قد دله على الإسلام وكرر عليه الأمر بالذهاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من مؤمني الجن ومع ذلك لم يأته منذ قرأ القرآن فكل من الإنس والجن عليه واجبه ولم يشرع لنا سؤالهم ولا الطلب منهم فهذا إن لم يكن شركاً كان ذريعة وسبباً إليه والعياذ بالله وكفى به وكيلاً .
الواجب في التعامل معهم :
قال شيخ الإسلام : فالواجب على المسلم أن يستعمل فيهم ما يستعمله في الإنس من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والدعوة إلى الله كما شرع الله ورسوله ، وكما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ويعاملهم إذا اعتدوا بما يعامل به المعتدون ، فيدفع صولهم بما يدفع صول الإنس ” .
فأي كلام أوضح من هذا التفصيل والبيان من شيخ الإسلام والذين نسبوه لى إجازة الإستعانة بالجن وهو أبعد الناس في عصره عن الشرك والاستعانة بالغائب كما هو واضح من كلامه رحمه الله .
مسلك الرسول صلى الله عليه وسلم والإمام أحمد وشيخ الإسلام معهم
لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم والذي هو رسول إلى الثقلين ويتمنى الجن المسلم وقتها أن يطيعوا رسولهم في كل ما يأمرهم به أو يطلب منهم العون مع ذلك فلم يرو عنه في الأحاديث التي تعامل بها مع المصروع وأخرج الجن ، لم يرو عنه أنه استعان بجن مسلم على إخراجهم أو حتى أمر الجن المسلم بإخراج الجنة من أجساد الناس ولكنه سلك مسلكاً آخر وقد وضحناه من قبل دون أن يستعين بهم ولو طلب لأذعنوا له وأطاعوه صلى الله عليه وسلم بل إنه لما هم بربط الشيطان في سارية المسجد لما جاء يريد إحراق وجهه وهو يصلي ذكر دعة سليمان ” رب اغفر لي وهب ملكاً لا ينبغي أحد من بعدي ” ] ص : 35 [ فترك ذلك مع أن ربطه في سارية المسجد أقل بكثير مما كان يفعله سليمان معهم وتسخير الله له ومع ذلك ترك فكيف بمن هو دون سليمان والنبي صلى الله عليه وسلم بكثير كيف يستخير لنفسه أن يستخدمهم ويستعين بهم .
وكذلك مسلك الإمام أحمد كان أبعد ما يكون عن الشرك والإستعانة بالغائب في علاج هذه الأمور وكان يبعث إلى المصروع من يخاطب الجني الذي فيه ويأمره بالخروج .
وشيخ الإسلام نفسه لم يرد عنه مطلقاً أنه استعان بالجن مع علمه الواسع بأحوالهم وكما نقل ابن القيم أنه شاهد مراراً وعلاجه للحالات ولم يزد على أن يرسل إلى المصروع من يخاطب الروح التي يخاطب الروح التي فيها ويقرأ في أذنها ” أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون ” ] المؤمنون : 115 [ ويقرأ ويأمره بالخروج وإن أبى لم يكن يأمره بالإستعانة بالجن المسلم وخلافه إنما كان يجيز انتهاره وسبه وضربه ولعنه حتى يحمله على الخروج كما روى عنه رحمه الله .
فيا من تحتجون ببعض كلام شيخ الإسلام العام وتتناسون وتغفلون عن تفصيله وطريقة علاجه لهذه الحالات حتى تكونوا على بينة من الأمر وحتى لا يلبس الشيطان عليكم ويوقعكم في الشرك من حيث لا تعلمون .
شبهة :
هؤلاء المعالجون يزعمون أنهم يستعينون بجن مسلم صادق يعينهم بلا ثمن أو عوض.
الرد ( كيف يوثقه ) :
نقول لهم وكيف توثقونه وهل عندكم طريقة لتوثيقه وهو غائب عنكم لا تتطلعون على أحواله وإن قلتم قد جربناه واختبرناه فهل عندكم طريقة لتحضيره رويت عن السلف فإن قالوا إنه يحضر على أجساد بعض الناس كنوع من المس بدون إيذاء ولكن لمعاونتنا فهل تستجيرون أن يبقى في جسد رجل أو امرأة مع ما يسببه من تعب ومخامرة عقل في سبيل تحقيق رغباتكم وما من جن إلا من هو فوقه وأعلى وعالمهم معظمه جهل وظلم وغدر فلو تركتم الجن بالجسد لهذا السبب لكان ذلك غرضاً خبيثاً وعملاً مذموماً ثم إنه في الحق ما يغني عن الباطل وهل في طريقة النبي صلى الله عليه وسلم والإمام أحمد وشيخ الإسلام نقص وقصور ، وهل هذه الاستعانة لا تتضمن سؤالهم على وجه التصديق والذي نهى عنه شيخ الإسلام ثم إن في الجن كذب كثير وقد جربنا كيف يدعي الإسلام مدة طويلة أثناء علاج بعض المصروعين وربما يصلي معهم أثناء حضوره على الجسد ويخاطبهم وربما يقرأ القرآن ومع ذلك يتبين بعد فترة أنه كان يمكر بهم ويضحك عليهم وهو مازال على دينه النصراني أو اليهودي .
ثم إن شيخ الإسلام بين أنه لابد من وجود المعاوضه والثمن فهل تستجيرون دفع الثمن وترضون بذلك وما هو هذا الثمن وما هي تلك المعارضة أو شابهتهم سليمان عليه السلام الذي سخر الله له الجان بلا ثمن ومعاوضه منه لهم فأطاعوه طاعة مطلقة ، قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ؟
الفرع الثاني : الذبح للجن :
نسمع كثيراً عن الذين يسترضون الجن عن طريق ذبح الطيور والبهائم له وبقصد إرضائه حتى لا يؤذي المريض وحتى يريح وكثيراً ما يصف الدجاجلة والمشعوذين الذبح لمرضى الصرع فيصفون لهم ذبح ديوك حمراء وغيرها وأحياناً ما هو أعظم مثل ذبح خراف أو جمال ويحتج الناي بأنه يجدون الراحة بعد هذا الشرك والأبشع من ذلك أنهم يفعلونه باستمرار وفي كل عام وإن فاتهم عام دون أن يذبحوا يزعمون أنهم يمرضون ويعود الجن إلى إيذائهم وإمراضهم ونعرف من هؤلاء الناس الكثير ممن يذبحون لسنين طويلة وكنا نظن ان هذا الأمر قد اختفى مع وجود الصحوة الإسلامية واتساع المعرفة بأمور الدين من خلال المساجد والدعاه ولكنها ما تزال موجودة ولا حول ولا قوة إلا بالله ومن باب المعرفة فإنا نستطيع أن نقول إن هؤلاء قد يريحهم الجن فعلاً بعد الذبح له كنوع من أنواع الفتنة لهم وتشجيعهم على الاستمرار في هذه الطريقة الشركية وحتى لا يلجأوا إلى طرق أخرى قد يتعرض فيها الجن للأذى والحرق والطرد من أجساد الناس .
الذبح للجن شرك أكبر :
قال تعالى : ” قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ” ] الأنعام : 162 – 163 [ قال ابن كثير : يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون له : بأنه أخلص لله صلاته وذبيحته ، لأن المشركين يعبدون الأصنام ويذبحون لها ، فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه والإقبال بالقصد والنية على الإخلاص لله تعالى .
والله تعالى تعبد عباده بان يتقربوا إليه بالنسك ، كما تعبدهم بالصلاة وغيرها من أنواع العبادات فإن الله تعالى أمرهم أن يخلصوا جميع أنواع العبادة له دون ما سواه ، فإذا تقربوا إلى غير الله بالذبح أو غيره من أنواع العبادة فقد جعلوا لله شريكاً في عبادته ، وهو ظاهر في قوله ” لا شريك له ” نفى أن يكون لله تعالى شريك في هذه العبادات .
الذبح للجن يوجب اللعن :
عن علي بن أبي طالب قال ” حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات لعن الله من ذبح لغير الله لعن الله من لعن والديه ، لعن الله من آوى محدثاً ، لعن الله من غير منار الأرض ” رواه مسلم قال صاحب فتح المجيد ” اللعن : البعد عن مظان الرحمة ومواطنها قيل واللعين والملعون : من حقت عليه اللعنه ، أو دعي عليه بها .
ثم قال : قوله ” من ذبح لغير الله ” قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ” وما أهل لغير الله ” ظاهره : أنه ما ذبح لغير الله ، مثل أن يقول : هذا ذبيحة لكذا ، وإذا كان هذا هو المقصود فسواء لفظ به أو لم يلفظ ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم ، وقال فيه : باسم المسيح أو نحوه كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أذكى وأعظم مما ذبحناه للحم وقلنا عليه ، بسم الله ، فإذا حرم ما قيل فيه اسم المسيح أو الزهرة ، فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح أو الزهرة أو قصد به ذلك أولى ، فإن العبادة لغير الله أعظم كفراً من الاستعانة بغير الله ، على هذا : فلو ذبح لغير الله متقرباً إليه يحرم وقال الشيخ حامد الفقي ” بل يكون هذا الذبح شركاً أكبر ” وإن قال فيه بسم الله .
ثم قال صاحب فتح المجيد : ومن هذا الباب : ما يفعله الجاهلون بمكة من الذبح للجن قال الزمخشري : كانوا إذا اشتروا داراً أو بنوها أو استخرجوا عيناً ذبحوا ذبيحة خوفاً ان تصيبهم الجن فأضيفت لهم الذبائح لذلك .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ” ومما يتقرب له إلى الجن الذبائح ، فإن من الناس من يذبح للجن وهو من الشرك الذي حرمه الله ورسوله .
وليس معنى شفاء المريض مؤقتاً من بعض الأعراض أن هذه طريقة صحيحة في العلاج وإنما هي من باب فتنة الجن للناس .
الفرع الثالث : الرقى والتمائم والطلاسم الشركية والرقى بما لا يعرف معناه :
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال ” سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” إن الراقى والتمائم والتولة شرك .
قال شيخ الإسلام : كل اسم مجهول فليس لأحد أن يرقى به ، فضلاً عن أن يدعو به ، ولو عرف معناه لأنه يكره الدعاء بغير العربية ، وإنما يرخص لمن لا يحسن العربية ، فأما جعل الألفاظ الأعجمية شعاراً فليس من دين الإسلام .
وقال أيضاً رحمه الله ” وكذلك الرقى والعزائم الأعجمية ، هي التي تتضمن أسماء رجال الجن يدعون ، ويستغاث بهم ويقسم عليهم ممن يعظمونه فتطيعهم الشياطين بسبب ذلك في بعض الأمور وهذا من جنس السحر والشرك .
” والتمائم ” قال المصنف ” شيء يعلق على الأولاد من العين ” وقال الخلصالي : التمائم جمع تميمة ، وهي ما يعلق بأعناق الصبيان من خرزات وعظام لدفع العين ، وهذا منهي عنه ، لأنه لا دافع إلا الله ، ولا يطلب دفع المؤذيات إلا بالله وبأسمائه وصفاته .
” والتولة ” شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها ، والرجل إلى امرأته .
قال الحافظ : التولة شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها ، وهو ضرب من السحر .
ومما يدل على حرمة الرقى والتمائم ما جاء في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه ” أنه كان مع رسول اله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ، فأرسل رسولاً : أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت ” .
قال البغوي في شرح السنة : تأول مالك أمره عليه الصلاة والسلام بقطع القلائد على أنه من أجل العين وذلك أنهم كانوا يشدون تلك الأوتار والتمائم والقلائد ويعلقون عليها العوذ ويظنون أنها تعصمهم من الآفات ، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عنها وأعلمهم أنها لا ترد من أمر الله شيئاً .
قال الحافظ : ويؤيده حديث عقبة بن عامر ، رفعه ” من تعلق تميمة فلا أتم الله له ” .
وقد أخرج أحمد والترمذي مرفوعاً ” من تعلق شيئاً وكل إليه ” حسنه الأرناؤوط في تخريج حامل الأصول والتعلق يكون بالقلب ” وكل إليه ” أي وكله الله إلى ذلك الشيء الذي تعلقه ، فمن تعلق بالله وأنزل حوائجه به ، والتجأ إليه ، وفوض أمره إليه ، كفاه وقرب إليه كل بعيد وييسر له كل عسير ، ومن تعلق بغيره أو سكن إلى رأيه وعقله ودوائه وتمائمه ونحو ذلك ، وكله الله إلى ذلك وخذله ، وهذا معروف بالنصوص والتجارب ، قال تعالى : ” ومن يتوكل على الله فهو حسبه ” ] الطلاق : 3 [ .
حكم المعلقات التي من القرآن :
كما ذكر أن التمائم شيء يعلق على الأولاد من العين ، وعن المعلق إذا كان من القرآن فقد رخص فيه بعض السلف ، وبعضهم لم يرخص فيه ، ويجعله من المنهي عنه ، منهم ابن مسعود رضي الله عنه وهو قول ابن عباس وغيره ، قال صاحب فتح المجيد : هذا هو الصحيح لوجوه ثلاثة تظهر للمتأمل .
1- عموم النهي ولا مخصص للعموم .
2- سد الذريعة لأن يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك .
3- إذا علق فلا بد أن يمتهن المعلق بحمله في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك .
فإذا كان أهل العصور المشهود لهم بالخير كرهوا ذلك سداً للذريعة فكيف بأهل هذه العصور التي بعد زمانها عن النبوة وقل حظها من التوحيد .
وكان أصحاب عبد الله بن مسعود كعلقمه والأسود وأبي وائل الحارث بن سويد وعبيده السلماني ومسروق والربيع بن خيثم وسويد بن غفلة وغيرهم يكرهون التمائم كلها ، من القرآن وغير القرآن نقل ذلك عنهم إبراهيم بن يزيد النخعي الكوفي .
الشيطان يكف عن أذى المريض الذي يستخدم التمائم والأحجبة فتنة له
عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت : ” إن عبد الله رأى في عنقي خيطاً ، فقال : ما هذا ؟ قلت خيط رقي لي فيه ، قالت : فأخذه ثم قطعه ، ثم قال : أنتم آل عبد الله الأغنياء عن الشرك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” إن الرقى والتمائم والتوله شرك ” . فقلت : لقد كانت عيني تقذف ، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي ، فإذا رقي سكنت ، فقال عبد الله : إنما ذلك عمل الشيطان كان ينخسها بيده فإذا رقي كف عنها ، غنما كان يكفيك ان تقولي كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” أذهب البأس ، رب الناس ، وأشف أنت الشافي ، لا شفاء إلا شفاؤك ، شفاء لا يغادر سقماً ” .
معنى هذا أن الشيطان قد يكف أذاه عن المصروع ويريحه بعض الشيء لما تقرأ عليه الرقى الشركية والعزائم الشيطانية أو إذا علق المصروع الأحجبة أو تبخر بها كما يفعلون أو علقها في صدره أو تحت وسادته عندها يظن الناس أنها طريقة الشفاء ولا يدرون أنها الداء وأن الشيطان خدعهم وداواهم بالتي هي الداء فصاروا كالمستجير من الرمضاء بالنار.
المشعوذ والدجال قد يقرأ القرآن ويرقي به ويكتم ما يقوله من الشرك ومما لا يعرف معناه : قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وأما الاستعانة عليهم بما يقال ويكتب مما لا يعرف معناه فلا يشرع ، ولا سيما إن كان فيه شرك ، وقد يقرأون مع ذلك شيئاً من القرآن ويظهرونه ، ويكتمون ما يقولونه من الشرك وفي الاستشفاء بما شرعه الله ورسوله ما يغني عن الشرك وأهله .
والمسلمون وإن تنازعوا في جواز التداوي بالمحرمات كالميتة والخنزير ، فلا يتنازعون في أن الكفر والشرك لا يجوز التداوي به بحال ، لأن ذلك محرم في كل حال ، وليس هذا كالتكلم به عند الإكراه فإن ذلك إنما يجوز إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان ، والتكلم به إنما يؤثر إذا كان بقلب صاحبه ولو تكلم به مع طمأنينة قلبه بالإيمان لم يؤثر ، والشيطان إذا عرف أن صاحبه مستخف بالعزائم لم يساعده ، وأيضاً فإن المكره مضطر إلى التكلم به ولا ضرورة إلى إبراء المصاب به لوجهين :
أحدهما : أنه قد لا يؤثر أكثر من يعالج بالعزائم فلا يؤثر بل يزيده شراً .
والثاني : أن في الحق ما يغني عن الباطل .
ومن هنا نتبين ضلال بعض الناس الذين ينخدعون بالدجاجلة والمشعوذين والذين قد يظهر منهم بعض قراءة للقرآن ولكن من أحواله يتبين أنه مستعين بالجنة والشياطين ومستخدم للعزائم الشركية ويكتم هذا عن الناس فتنة لهم وإغواء وترويجاً لبضاعته الخبيثة .

