قال صاحب معارج القبول ” أما القرى التي ليست بعربية الألفاظ ولا مفهومة المعاني ، ولا مشهورة ولا مأثورة في الشرع البتة ، فليست من الله في شيء ، ولا من الكتاب والسنة في ظل ولا فيء ، بل هي وسواس من الشيطان أوحاها إلى أوليائه كما قال تعالى ” وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ” ] الأنعام : 121 [ وعليه يحمل حديث ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم ” أن الرقى والتمائم والتولة شرك ” وذلك لأن المتكلم به لا يدرى أهو من أسماء الله تعالى أو من أسماء الملائكة أو من أسماء الشياطين ، ولا يدري هل فيه كفر أو إيمان ، وهل هو حق أو باطل ، أو فيه نفع أو ضر ، أو رقية أو سحر ، ولعمر الله لقد انهمك غالب الناس في هذه البلوى غاية الانهماك واستعملوه على أضرب كثيرة وأنواع مختلفة :
أنواعها :
أ- زعمهم أنها مترجمة إلى السريانية أو العبرية :
ولا أدري إن صدقناهم في دعواهم أهم يعتقدون أنه لا ينفع إذا كان باللغة العربية التي نزل بها القرآن وتكلم بها النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة حتى يترجموه بالأعجمية أو أنهم يعتقدون أنه بالأعجمية أنفع منه بالعربية أو أنه ينفع بالعربية لشيء وبالأعجمية لغيره ولا تصلح إحداهما فيما تصلح فيه الأخرى ، أم ماذا زين لهم الشيطان وسولت لهم أنفسهم ، أم ماذا كانوا يفترون ؟
ب- اعتقادهم أنها أسماء لخدام سور القرآن :
فيقولون : يا خدام السورة أو هذه الآية : يا فلان ابن فلان ، ويا فلان بن فلان أجيبوا ، العجل العجل ، والوحا الوحا ، والساعة الساعة ونحو ذلك ، وما من سورة من القرآن ولا آية منه ولا اسم من أسماء الله يعرفونه إلا وقد انتحلوا له خداماً ودعوهم له ، ساء ما يفترون.
جـ- كتابة السورة أو الآية وتكررها بهيئات مختلفة عن ترتيبها في القرآن :
وذلك بأن يجعلوا أولها آخرها وآخرها أولها .
كتابة السورة أو الآيات بحروف مقطعه
يكتبون كل حرف على حده ويزعمون أن لها بهذه الهيأة خصوصية ليست لغيرها من الهيئات ، ولا أدري من أين أخذوها وعمن نقلوها وما هي إلا وساوس شيطانية وزخرفها ، خرافات مضلة وأكاذيب مختلفة لفقوها لم ينزل الله بها من سلطان ، ولا يعرف لها أصل في سنة ولا قرآن ، ولم تنقل عن أحد من أهل الدين والإيمان ، إن هؤلاء إلا كاذبون ، أفاكون مفترون ، وسيجزون ما كانوا يعملون .
كتابة رموز لأعداد عربية معروفة من أحاد وعشرات :
ويزعمون بأنها رموز إلى حروف آية أو سورة أو اسم شيء مما قدمنا بحساب الحروف الأبجدية المعروفة ، وغالبها مأخوذة عن الأمة الغضبية الذين أخذوا السحر عن شياطين وتعلموه منهم .
حكم الرقى مما سوى الوحيين
قال صاحب المعارج
| وإن تكن مما سوى الوحيين | فإنها شرك بغير مين | |
| بل إنها قسيمة الأزلام | في البعد عن سيما أولى الإسلام |
ثم قال وإن تكن أي التمائم مما سوى الوحيين بل من طلاسم اليهود وعباد الهياكل والنجوم والملائكة ومستخدمي الجن ونحوهم أو من الحرز أو الأوتار أو الخلق من الحديد وغيره فإنها شرك أي تعلقها بدون مين أي شك ، إذ ليست هي من الأسباب المباحة والأدوية المعروفة ، بل اعتقدوا فيها اعتقاداً محضاً أنها تدفع كذا وكذا من الآلام لذاتها الخصوصية زعموا فيها كاعتقاد أهل الأوثان في أوثانهم بل إنها قسيمة أي شبيهة الأزلام التي كان يستحبها أهل الجاهلية في جاهليتهم .
والمقصود أن هذه التمائم التي من غير القرآن والسنة شريكة للأزلام وشبيهة بها من حيث الاعتقاد الفاسد والمخالفة للشرع .
تبين من جملة ما ذكرنا أن الرقى والعزائم والطلاسم التي لا تتصف بالعربية من أنواع الشرك كما قال شيخ الإسلام ، فإن المشركين يقرأون من العزائم والطلاسم والرقى ما فيه عبادة للجن وتعظيم لهم ، وعامة ما بأيدي الناس من العزائم والطلاسم والرقى التي لا تفقه بالعربية فيها ما هو شرك بالجن .
الفرع الرابع
لبس الحلقة والخيط ونحوهما
لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه ، ومنه لبس الدبلة للوقاية من السحر يعتبر من الأساليب الشركية قال تعالى ” قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون ” ] الزمر : 38 [ فهذه الآية وقوله تعالى ” ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون * ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون * ] النحل : 53 ، 54 [ تبطل تعليق القلب بغير الله في جلب نفع أو دفع ضر ، وأن ذلك شرك بالله وعن عمران بن حصين رضي الله عنه ” أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً في يديه حلقه من صفر ، فقال ما هذه ؟ قال : من الواهنة فقال : انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً ” .
فهذا الرجل وضع على عضده حلقه من صفر لتحميه من الواهنة ، قال أبو السعادات : عرق يأخذ في المنكب وفي اليد كلها فيرقى منها ، قال في قرة العيون : وإنما نهاه عنها لكونه يظن أنها تمنع هذا الداء أو ترفعه فأمره الرسول صلى الله عليه وسلم بإزالتها لأنها لا تزيده إلا وهناً ، فإن المشرك يعامل بنقيض قصده لأنه علق قلبه بما لا ينفعه ولا يدفع عنه .
ومن هذا الجنس دبل الفضة التي نشاهدها كثيراً وينصح بها المشعوذ وتعتقد الناس أنها تحميهم من السحر وغيره وكل أمر نهى عنه الشرع فإنه لا ينفع وإن نفع بعضه فضره أكبر من نفعه .
قوله ” فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً ” لأنه شرك ، والفلاح هو الفوز والظفر والسعادة ويدخل في هذا الباب اقتناء البعض الرصاص يضعون منه في حقائبهم في صورة قطع صغيرة بزعم أنها تحميهم من السحر والحسد .
الفرع الخامس
إتيان العرافين والكهان والسحرة لعلاج هذه الأمور
ورد في الشرع التحذير الشديد من إتيان العرافين والكهنة كما سيلي :
قال تعالى : ” وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم ” ] الأنعام : 128 [ فاستمتاع الإنس بالجن هو أن يأتوا الكهان والسحرة والذين يخبرونهم بالأشياء الغائبة وبما يقع في الأرض من الأخبار كان قد استرقها الشياطين لهم .
وروى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” من أتى عرافاً فسأله عن شيء فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يوماً ” .
قال البغوي : العراف : الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضاله ويلحق بهذا من يفتح المندل ليستدل على الشيء الضائع وهذا عن طريق إستخدام الجن وتحضيرهم وقال ابن تيمية : العراف : اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” من أتى كاهناً فصدقه بما يقول ، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ” .
والكاهن : هو الذي يخبر عن الغيبيات في المستقبل وقيل : الذي يخبر عما في الضمير وقيل هو الذي يأخذ عن مسترق السمع وهو من أولياء الشيطان وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم رسل الشياطين ، فلما كان الكهان رسل الشياطين والنبي صلى الله عليه وسلم رسول الرحمن كان التصديق والإيمان بأحد الرسولين يستلزم الكفر بالآخر فمن آمن وصدق بالنبي صلى الله عليه وسلم فلابد أن يكفر بالكهان وهم رسل الشيطان ومن آمن وصدق الكهان فلابد أن يكفر بما أنزل على رسول الرحمن حيث لا يجتمع إيمان برسل الشيطان ورسل الرحمن في قلب واحد البته .
وعن عمران بن حصين رضي الله عنه مرفوعاً ” ليس منا من تطير أو تطير له ، أو تكهن أو تكهن له ، أو سحر أو سحر له ، ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول ، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ” .

