مفاسد الانشغال الزائد بأمور الجن

الفرع الأول : الانشغال الزائد بالجن تعظيم لهم :
الانشغال الزائد بأحوال الجن وعلاقتهم بالأمراض الروحانية فيه نوع تعظيم للجن واهتمام بشؤونهم وهذا قد يدفع الجن للطغيان والتمرد لما يجدون الإنس قد صرفوا أوقاتهم وسلموا أذهانهم لأمور الجن وأحوالهم قال تعالى : ” فزادوهم رهقاً ” ويؤيد ذلك ما رواه والد أبي مليح قال : ” كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فعثرت الدابة  ، فقلت : تعس الشيطان ، فإنك إذا قلت ذلك تعاظم حتى يكون مثل البيت ، ويقول بقوتي ولكن قل بسم الله فإنك إذا قلت ذلك تصاغر حتى يكون مثل الذباب ” .
المكرم لا ينشغل بما هو أحقر منه :
لا يخفى تكريم الله لآدم بدءاً من خلقه بيده تعالى ثم أسجد له ملائكته وأسكنه جنته ومروراً بإرسال الرسل من جنسه وإنزال الكتب عليهم ونهاية بإسكانه الجنة يوم القيامة مع صالح ذريته ، وهذا في الحقيقة لم يحدث للجن فقد خلقهم من نار بقوله تعالى كن فكانوا وقال طوائف العلماء أن الرسل لم تكن من الجن ، بل كانت من الإنس وإنما كان من الجن منذرون فقط بدليل قوله تعالى على لسان الجن ” إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاُ لما بين يديه ” ونهاية بأنهم يكونون في ربض الجنة تراهم الإنس من حيث لا يرونهم ( لم يثبت وهذا القول مأثور عن مالك والشافعي وأحمد وآية ويوسف ومحمد وقيل : أن ثوابهم النجاه من النار وهو مأثور عن أبي حنيفة والجمهور على أنهم يدخلون بدليل قوله تعالى : ” لم يطمثهن إنس ولا جان ”
]
الرحمن : 56 [ ، قالوا : فدل ذلك على تأتي الطمث منهم لأن طمث الحور العين إنما يكون في الجنة ، فكيف الحال إذا قضى الإنس معظم أوقاتهم يشتغلون ويهتمون ويتذاكرون أحوال من هم أحقر منهم لا شك أن هذا يزيد الجن تفاخراً وتكبراً وقد وضعهم الله ، ويكرمهم وقد أهانهم الله فيتطاولون بذلك على الإنس ويؤذونهم وفي الجن جهل وطغيان وظلم كثير .

الفرع الثاني : الانشغال الزائد باب يتسلط منه الأرواح الخبيثة :
قال ابن القيم : فسلطان تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة التي يكون ميلها إلى السفليات قالوا : والمسحور هو الذي يعين على نفسه ، فإن نجد قلبه متعلقاً بشيء كثير الالتفات إليه فيتسلط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات ، والأرواح الخبيثة إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لتسلطها عليها بميلها إلى ما يناسب تلك الأرواح الخبيثة ، وبفراعها من القوة الإلهية .
الفرع الثالث : الانشغال الزائد يدخل تحت دائرة الوهم والخوف والقلق :
ما الظن بإنسان ملئ ذهنه بذكر أمر الجن وأنواع أذاهم والمخاطر الناجمة منهم بإذن الله لا شك أن هذا الإنسان سوف يعيش قلقاً من تفكيره وانشغاله بهذا الباب من الغيبيات ، وربما دخل تحت دائرة الوهم فشعر بأعراض نتيجة لهذا الوهم والخوف وربما أخرجه ذلك لأن يمرض أو تمرض المرأة بالتقمص الهستيري الإيحائي وتظن هي وأهلها أن بها المس وما بها إلا الهستريا والإيحاء .
الفرع الرابع : العزو وأخطاره :
الانشغال الزائد بأحوال الجن وأنواع تسلطهم يؤدي إلى عزو كل ما يحدث من أعراض نفسية وجسمية للمريض إلى عالم الجن والسحر وهذا نراه كثيراً لمن اتسعت مساحة هذه الأمور عنده وملأت حيزاً كبيراً من فكره وهذا فتح لباب شر ووهم لا يدرى عقباه إلا من احتك بهؤلاء المرضى وأختبر أحوالهم ولهذا فسوف نبين خطورة العزو في نقاط تالية حتى نحذر من تهيأة المريض للوقوع في خطر العزو ونحن لا نشعر :
1- البعد عن المرض الحقيقي النفسي أو الجسمي والخطأ في التشخيص بسبب عزو ما يحدث إلى الجن والسحر .
2- الذهاب إلى المعالجين الروحانيين والدجالين والمشعوذين بدلاً من الأطباء.
3-  المريض ربما يوحي إلى الطبيب أو المعالج بشدة ويهيؤه إلى الذهاب بعيداً عن الأمراض النفسية والجسمية بسبب اعتقاده الجازم بأن ما عنده ليس من الأمراض النفسية والجسمية .
4- كثيراً من المرضى يحاول الأطباء والمعالجون إقناعهم بالتشخيص السليم ولكن بسبب اعتقاد المريض بان مرضه بعيد عن هذا التشخيص يدفعه إلى أن لا يتعاطى الدواء باحثاً عن معالج يتفق مع ما يجول بنفسه من أوهام فتطول فترة مرضه ويتفاقم الأمر ويعز الشفاء .
5- ربما يدخل المريض في دائرة مغلقه يصعب الخروج منها بسبب كثرة ذهابه إلى الأطباء والمعالجين فمنهم من ينفي وجود علاقة بالجن والسحر وبعضهم يثبت ذلك ويقع المريض في حيص بيص لا يدري كيف يخرج .
6- عزو المريض ما يحدث له إلى الأمور السحرية والشيطانية يوقعه لا شك فريسة سهلة للدجالين والمشعوذين بسبب استعداده النفسي وتوهمه فيبتزون أمواله ويستغلونه أسوأ استغلال .
7- عزو المريض كل ما يحدث له إلى الجن والسحر يصعب مهمة الطبيب المعالج في إقناعه بالتشخيص الصحيح ويضيع أوقاتاً طويلة ومجهوداً كبيراً في صرف المريض عن توهمه هذا .
8- عزو كل ما يحدث للجن تعظيم لهم وهو من عادات الجاهلية .
كان من عادات أهل الجاهلية قبل الإسلام نسبة كل ما يحدث من خوارق وغرائب للجن وهذا قد وقع في قصة إبراهيم لما أتى هو وامرأته على جبار من الجبابرة فلما أراد الجبار سارة واختارها لنفسه دعت عليه فأخذ وجعل يغط حتى ركض رجله يعني اختنق حتى صار كأنه مصروع وتكرر هذا الأمر ثلاثاً كلما أراد الجبار أن يتناول يد ساره أول أن ينال منها شيئاً ثم قال لبعض حجبته : إنك لم تأتيني بإنسان ، إنما أتيتني بشيطان فأخدمها هاجر ويقول الحافظ بن حجر : ” وكانوا من قبل الإسلام يعظمون أمر الجن جداً ويرون كل ما وقع من الخوارق من فعلهم وتصرفهم ” .
9- فكر يجول فيما لا ينفع ، ويصد عما ينفع :
الفكر الزائد وملأ الذهن بما يكون من أحوال وانصراف الفكر عن ما ينفع من أمور الدنيا والآخرة باب شر عظيم لأنه أنفع الدواء أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دون مالا يعنيك .
قال ابن القيم : ” فالفكر فيما لا يعني باب كل شر ، ومن فكر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه واشتغل عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة له فيه ، فالفكر والخواطر والإرادة والهمة أحق شيء بإصلاحه من نفسك ، فغن هذه خاصتك وحقيقتك التي تبتعد بها أو تقرب من إلهك ومعبودك الذي لا سعاده لك إلا في قربه ورضاه عنك وكل الشقاء في بعدك عنه وسخطه عليك ، ومن كان في خواطره ومجالات فكره دنيئاً خسيساً لم يكن في سائر أمره إلا كذلك .
وإياك أن تمكن الشيطان من بين أفكارك وإرادتك فإنه يفسدها عليك فساداً يصعب تداركه ، ويلقي إليك أنواع الوساوس والأفكار المضره ، ويحول بينك وبين الفكر فيما ينفعك وأنت الذي أعنته على نفسك بتمكينه من قلبك وخواطرك فملكها عليك ، فمثالك معه مثال صاحب رحى يطحن فيها جيد الحبوب ، فأتاه شخص معه حمل تراب وبعر وفحم غثاء ليطحنه في طاحونته فإن طرده ولم يمكنه من إلقاء ما معه في الطاحون استمر على طحن ما ينفعه ، وإن أمكنه من إلقاء ذلك في الطاحون أفسد ما فيها من الحب وخرج الطحين كله فاسداً ، والذي يلقيه الشيطان في النفس لا يخرج منها عن الفكر فيما كان ودخل في الوجود لو كان على خلاف ذلك ، وفيما لم يكن لو كان كيف يكون ، أو فيما يملك الفكر فيه من أنواع الفواحش والحرام أو في خيالات وهمية لا حقيقة لها أو في باطل أو فيما لا سبيل إلى إدراكه من أنواع ما طوي عنه علمه فيلقيه في تلك الخواطر التي لا يبلغ منها غاية ولا يقف منها على نهاية فيجعل ذلك مجال فكره ومسرح وهمه .
كيف إصلاح ذلك ؟ ( اشتغل بما ينفعك وفكر فيما يعنيك ) :
وجمع إصلاح ذلك : أن تشغل فكرك في باب العلوم والتصورات بمعرفة ما يلزمك من التوحيد وحقوقه ، وفي الموت وما بعده إلى دخول الجنة والنار ، وفي آفات الأعمال وطرق التحرز منها ، وفي باب الإرادات والعزوم أن تشغل نفسك بإرادة ما ينفعك إرادته وطرح ما يضرك إرادته .
وهكذا أخي الكريم الانشغال بما ينفع ويعصم من الإنشغال بما لا ينفع والتفكير فيما يعني يحمي من التفكير فيما لا يعني ، وما يفيدك أن تنشغل فكراً وهماً بأمور الجن وأحوالها وما يكون منها بصورة تقض مضجعك وتلهيك عن الإنشغال بطاعة الله ومعرفته وما يفيد من أعمال الدنيا والآخرة ، فإن هذا صلاح القلوب ، فصلاح القلوب بصلاح الخواطر والأفكار ، وفسادها بفسادها ، فصلاح الخواطر أن تكون مراقبة لوليها صاعدة إليه دائرة على مرضاته ومحابه ، فإنه سبحانه به كل صلاح ، ومن عنده كل هدى ومن توفيقه كل رشد ، ومن توليه بعبده كل حفظ ومن توليه وإعراضه عنه كل ضلال وشقاء ، فيظفر العبد بكل خير وهدى ورشد بقدر إثبات فكرته في آلائه ونعمه وتوحيده وطرق معرفته وطرق عبوديته وإنزاله إياه حاضراً معه مشاهداً له ناظراً إليه رقيباً عليه مطلعاً على خواطره وإرادته وهمه ، فحينئذ يستحي منه ويجله أن يطلع منه على عورة يكره أن يطلع عليها مخلوق مثله أو يرى من نفسه خاطراً يمقته عليه .
هذا والواجبات أكثر من الأوقات أيضاً والعمر لا يتسع إلا أن تشغل بما ينفع والواجب أن تستغل وقتك في الأنفس من العلوم ، كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من علم لا ينفع ، وكل علم لا يضر الجهل به فإنه لا ينفع العلم به ، ومثال على ذلك العلم بعدد الكواكب ومقاديرها والعلم بعدد الجبال وألوانها ومساحتها ، وأيضاً شرف العلم معلومه وشدة الحاجة إليه وليس ذلك إلا العلم بالله وتوابع ذلك .
ولهذا يجب أن نكتفي في هذا الموضوع بما يتحرز به من الجن وكيدهم ومداخلهم ومكائدهم حتى نحترز ويكفي في ذلك ما أخبرنا به النبي من وسائل الحماية والوقاية ، أما العلم بتفاصيل أمور المس والسحر وكيفية علاجه فتترك لمن يشتغل بعلاج هذه الأمور أما بقية الناس فعندهم ما هو أولى وأنفع .
ولهذا ترى الكتاب والسنة لم يتوسعا في تفصيل هذه الأحوال وكأن الشارع الكريم يريد أن يصرفنا عنها إلى ما ينفعنا وهذا أفضل وسيلة للوقاية من هذه الأحوال الشيطانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *