إذا أردنا تبسيط عرض المشاكل النفسية حيث أنها يصعب حصرها ولكن لتبسيطها للقارئ نتحدث عن المشاكل الأكثر شيوعاً في عالم الناس: وهي مشاكل القلق والهلع والاكتئاب والوسواس القهري والرهاب (الفوبيا) بأنواعه والمشاكل الذهانية كالفصام والاضطرابات الوجدانية واضطرابات الضلالة والمشاكل الخاصة باضطرابات الشخصية بأنواعها ثم نذكر إن شاء الله نبذة عن المرض النفسي والعالم الغيبى. وهذه المشاكل لا يكاد يخلو منها أحد فالبلاء لابد أن يصيب العبد إما في جسده وإما في نفسه إما في ماله وإما في أولاده إما في دينه وإما في دنياه. وأسباب المشاكل النفسية ترجع إلى سببين يتفاعلان معاً وهما الكروب النفسية والضغوط الإجتماعية والوظيفية من ناحية والإستعداد المركوز في شخصيته ونفسيته من ناحية أخرى. هذا وكلما إكتسبت النفس البشرية سمات سوية أو جبلت عليها كلما كانت أقوى وأثبت أمام الصدمات والعكس صحيح. وحتى لا يصدم القارىء فإن المشكلة النفسية لاتعتبر معضلة تحتاج إلى حل إلا إذا سببت له أذى نفسياً بالغاً وإعاقة إجتماعية ووظيفية.
عقدة المرض النفسي (تعدد الأسباب):
يختلف المرض النفسي عن المرض العضوى في أسباب حدوثه فالمرض العضوى كثيراً ما تهتدي لسبب واحد محدد له وفي هذه الحالة يكون العلاج أسهل أما المرض النفسي فالقضية أعقد وأغرب، لماذا؟
|
1- النفس حقيقتها على وجه التحديد مجهولة وبالتإلى يظل معرفة الأسباب وتحديدها وعلاجها على وجه القطع مجهول. 2- ما ثبت عند علماء النفس أن المرض ينشأ من التفاعل الجينى مع البيئة المحيطة وبالتإلى مساهمة الجينات في المرض النفسي تجعله أصعب في العلاج. 3- التركيبة النفسية للمريض والإستعداد الفطرى يهيئان المريض للمرض المقدر له والتركيبة النفسية والاستعداد الفطرى أحياناً يكونان سمة من سمات المريض لا تنفصل عنه. 4- مساهمة البيئة المحيطة والكروب والضغوط الاجتماعية والنفسية والمادية لا تكاد تخلو منها بيئة وكثيراً من الصعب التخلص من الضغوط والكروب المحيطة. 5- تعامل المحيطين مع المريض ورد فعلهم له في الأسرة أو في العمل أو في المجتمع كثيراً ما يزيد من مرضه ومعاناته فيجد المريض النفسي نفسه مع أسرة تستعر منه أو تلفظه أو تعاقبه ويجد نفسه في عمل يجردونه من صلاحياته أو يعزلونه أو ربما يفصلونه ويجد نفسه أمام مجتمع يلصق وصمة عار بالمريض النفسي ويتهمه بالجنون والخبل. 6- بعض الأدوية النفسية تسبب أعراضاً جانبية تزيد من تغير شكل وجه المريض أو تصيبه ببطء في حركاته مثل مضادات الذهان التقليدية (أو القديمة) وبالتالى يرفضها المريض فيزداد من معاناته من طريق آخر. |
النفس وعالم الغيب
في فطرة الإنسان أن يؤمن بوجود ما يصل إليه عن طريق الحواس وفي فطرته كذلك أن يؤمن بوجود أشياء لا تصل إليه عن طريق الحواس وتلك مزيته الكبرى على عالم الحيوان.
وقد تكون للحيوان أجهزة حسية لا نعلمها – يدرك بها حدوث الزلازل والعواصف وانفجار البراكين قبل أن يحسها الإنسان…. أجهزة تتلقى الأمواج الكهرومغناطيسية لهذه الأحداث وتترجمها بصورة ما، كما تترجم العين إشعاعات الضوء، وكما تترجم الأذن اهتزازات الصوت.
ولكن في هذه الحالة أيضاً يكون إدراكاً حسياً، وان اختلفت الحاسة عما يعرف الإنسان في نفسه من حواس.
ولكن الإنسان بعد ذلك يتميز بإدراك وجود أشياء لا تصل إليه حواسه، والإيمان عن وعى بوجود هذه الأشياء.
والقرآن يستخدم لوصف هذا المفهوم لفظ الإيمان “بالغيب” قال تعالى: ” ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب….”
“ليعلم الله من يخافه بالغيب”.
“جنات عدن التي وعد الرحمان عباده بالغيب”.
“وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب”.
وقمة الإيمان بالغيب هي الإيمان بالله. إنها طاقة فطرية في الإنسان “طاقة الإيمان بالغيب”…. في كل إنسان! ولكنها ككل طاقاته تهتدي وضل…. وتزيد عند هذا الشخص وتنقص عند ذاك.
تهتدي فتؤمن إيماناً غيبياً بوجود الله…. وهو غيب بطيعة الحال فالله لا تدركه الأبصار…. ولا أي حاسة من الحواس. إنما الحواس تدرك آياته وتطلع على آثار رحمته.
والنفس قد تضل فتؤمن إيماناً غيبياً بالطبيعة أو بأية قوة أخرى تسوس الكون وتدبره.
وفي كلتا الحالتين هي طاقة فطرية موجودة في كل إنسان… تجعله يؤمن بأشياء لا تدركه الحواس……ولا يدركه عقله كذلك إلا في حدود.
لقد كفرت بعض المذاهب والنظم بهذه الطاقة التي تؤمن بالغيب.
ولكنها نسيت أنها طاقة فطرية: وأنها حين لا تتوجه إلى الإيمان بالله – وهو مجالها الأكبر والأعلى – فإنها تتوجه وجهات أخرى ضالة منحرفة ولكنها لا تكبت ولا تموت! ولو قاومتها الدولة وسخرت منها الدعايات ولطول ما هرب الأوربيون من الله…. إلى “الطبيعة”…. أو بالأحرى من الكنيسة في العصور الوسطى التي كانت تمارس معهم صنوفاً من الاستبداد والإذلال والمهانة الروحية والفكرية والمادية… لطول ما هربوا من فكرة الله الكنيسة إلى فكرة الطبيعة، نسوا أن هذه الطبيعة ذاتها غيب…. وإلا فما هي على وجه التحديد؟ وكيف تعمل؟ وما كنة الطاقة التي تشتمل عليها؟ وما كنة “القوانين الطبيعية”؟ كيف نشأت… وكيف التزم بتنفيذها الكون؟ وهل هي… هذه الطبيعة – قوة مسيطرة أو قوة مسيطرة عليها؟ الخ….الخ.
كل ذلك الغيب…. إنه غيب ضال منحرف…. ولكنه غيب لا تدرك حقيقته ولكن تدرك فقط آثاره. ومن ثم فهذا الإيمان الضال (بالطبيعة) هو من حيث جوهره – إيمان بالغيب عن طريق تلك الطاقة الفطرية التي تؤمن بما لا تدركه الحواس! وهكذا تظن أوروبا أنها تهرب من “الغيبيات” فتلاحقها الغيبيات في مهربها….. ولكن في صورة ضالة تناسب ما هي عليه من ضلال وانحراف.
بهذه الطاقة الفطرية إذن يؤمن الإنسان بوجود الله….. ثم يعبده أو لا يعبده تلك خطوة أخرى.
ويؤمن بالبعث واليوم الآخر…. حين تتفتح بصيرته للإيمان بالله بل لقد آمن بها حتى وهو ينحرف في طريقه عبادته لله!
ويؤمن بوجود كائنات خفيه عن حواسه: الملائكة والجن والشياطين…..وغيرها من الكائنات.
الإيمان بالغيب والمرض النفسي (وفاق أم فراق):
لا يمكن أن ينفصل عند المجتمع العربي والمسلم وكذلك أي مجتمع متدين بغض النظر عن دينه لا يكاد ينفصل المرض النفسي عن العالم الغيبي لا في التشخيص ولا في العلاج. فإما ينسبون المرض للأمور الغيبية أو يستعينون بالأمور الغيبية في علاجه.
ولكن السؤال هنا هل الإيمان بالغيب يخدم المريض النفسي أم لا؟
هل الإيمان بالغيب ينفعه أم يضره هل يساهم في الشفاء أم يزيد البلاء؟؟؟
وقد يأتي السؤال بوجه آخر هل يرحب الطبيب النفسي بإيمان المريض واعتقاده بالغيب أم يستاء؟
الإيمان بالغيب مركوز في فطرة النفس البشرية:
إنها طاقة فطرية في الإنسان….. في كل إنسان! ولكنها ككل طاقاته الأخرى تهتدي وتضل…… وتزيد عند هذا الشخص وتنقص عند ذاك تهتدي فتؤمن إيماناً غيبياً بوجود الله…. وهو غيب بطبيعة الحال. فالله لا تدركه الأبصار.
و تضل، فتؤمن – إيماناً غيبياً – بالطبيعة أو بأية قوة أخرى تسوس الكون وتدبره.
وفي كلتى الحالتين هي طاقة فطرية موجودة في كل إنسان… تجعله يؤمن بأشياء لا تدركها حواسه، ولا يدركها عقله كذلك إلا في حدود. ولطول ما هرب الملحدون من (الله) إلى (الطبيعة)، نسوا أن هذه الطبيعة ذاتها غيب…. وإلا فما هي على وجه التحديد؟ وكيف تعمل؟ وما كنه الطاقة التي تشتمل عليها؟ وما كنه “القوانين الطبيعية”؟ كيف نشأت وكيف التزم بتنفيذها الكون؟ وهل هي – هذه الطبيعة – قوة مسيطرة أو قوة مسيطر عليها؟ إلخ….إلخ.
كل ذلك غيب….. إنه غيب ضال منحرف…. ولكنه غيب…. لا تدرك حقيقته ولكن تدرك فقط آثاره. ومن ثم فهذا الإيمان الضال “بالطبيعة” هو – من حيث جوهره – إيمان بالغيب…. عن طريق تلك الطاقة الفطرية التي تؤمن بما لا تدركه الحواس!
وهكذا يظن الملحدون أنهم يهربون من “الغيبيات” فتلاحقهم الغيبيات في مهربهم… ولكن في صورة ضالة تناسب ما هي عليه من ضلال وانحراف.
بهذه الطاقة الفطرية يؤمن الإنسان بوجود الله… ثم يعبده أو لا يعبده تلك خطوة أخرى!
ويؤمن بالبعث واليوم الآخر… ويؤمن بوجود كائنات خفية عن حواسه: الملائكة والجن والشياطين… وغيرها من الكائنات.
التلاقي بين الإيمان بالغيب (والاعتقادات الدينية) من ناحية وبين الطب النفسي من ناحية أخرى يحدث عند عدة محاور!!
1- المرضى النفسيون قد يكون لديهم اعتقادات غيبية لابد أن تؤخذ في الاعتبار عند التشخيص ووضع خطط العلاج.
2- هؤلاء المرضى كثيراً ما يبحثون عن المساعدة من الشيوخ والمعالجين الشعبيين وقد يسبب لهم هذا معاناة من ناحية أخرى أو ظهور أعرض نفسية لم تكن ظاهرة من قبل.
3- قد يحدث تصادم بين الرؤية الدينية والغيبية للطبيب من ناحية والمريض من ناحية أخرى وقد يسبب هذا صراع وأزمة بينهما.
4- اعتقادات المريض الغيبية قد تؤثر على تقبل أو قبول المريض لبعض أنواع العلاج النفسي.
5- “التلبس الروحى” من أشهر الأعراض النفسية المرتبطة بالثقافات ولها علاقة وطيدة بالاعتقادات الغيبية والدينية وقد يكون التلبس هذا نوع من التنفيس أو التعبير عن بعض الدوافع والأفكار أو الهروب اللاشعوري من صراع لم يتمكن من معالجته أو ربما لتحقيق مكاسب لا يستطيع تحقيقها في عالم الشعور.
6- علاج هؤلاء المرضى لابد أن يفهم فيه المريض الخلفية الدينية والثقافية وكيفية تفسير التجارب المرضية آخذاً في الاعتبار ثقافة المريض ودينه وإيمانه بالغيب.
من أجل هذا الطب النفسي لابد أن يتحرك أقرب فأقرب إلى الدين في الممارسة اليومية بدلاً من التباعد الذي يزيد الهوه والفجوة بين المريض والطبيب أو بين المريض وعقيدته.
مجتمعنا أسرع لتصديق الأمور الغيبية من النفسية (الفصام – الإزدواج – الوسواس: نفسية أم غيبية):
كثيراً ما يأتي قريب المريض ينادى ….. يادكتور ابنى في الحجرة وحده يتكلم مع الجن ويهددونه ويشتمهم إنه يسمع أصواتهم ويرى أنيابهم وربما يصل الحد إلى أنه يعاشر نساءهم في اليقظة والمنام وربما تزوج من واحدة منهن.
هذه والتي يسميها الأطباء هلاوس سمعية وبصرية قلما يصدقها المريض العامي وأحياناً المثقف بل إنه وبصعوبة بالغة نحاول إقناعه بأنها أعرض نفسية وليست غيبية وربما بصعوبة أكثر يقنع بأنه لا بد أن يعالج بالعقاقير إلى جانب أنواع العلاجات الأخرى.
الطبيب المحنك هو الذي وهو يشخص ويعالج لا يعتدي على عقيدة الإيمان لدى المريض وفي الوقت نفسه يقودهم إلى العلاج السليم الذي تزول معه الأعراض.
وربما يكون الأمر أصعب لدى المريضة المصابة باضطرابات
إحباطه ويأسه وتشاؤمه وكلما سمع القرآن ازداد ألمه وهمه لتذكره لذنوبه وتأنيبه لنفسه ولومه لها – هذا المريض ربما أسهل عليه وعلى أهله أن يصدقوا أن الأمور الغيبية هي السبب وليست النفسية.
كيف يدير الطبيب الحوار مع بعض المرضى وأهلهم :
الفصام:
|
سؤال المريض وأهله: إننى أرى أشخاصاً يخاطبوننى ويحادثوننى ويأمروننى بأشياء لابد أن أفعلها ويخبرونى عن أسرار تفيدنى… ده مش صح يادكتور؟ |
|
|
|
|
|
|
الجواب: النفس لابد أن تبتلى كما يبتلى الجسد. وأعراضها كثيرة ومتنوعة منها أن يرى المريض ما لا يراه الآخرون. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
يا جماعة الأصل إن الواحد مننا عنده نفس وجسد – والأصل إن النفس تمرض وكذلك الجسد والغريب والنادر وخلاف الأصل إنه يتعرض لمرض غيبي أو يمس من الجن وبعدين انتم جربتم العلاج النفسي الأول ولا لأ – جربوه الأول وامشوا على التعليمات بالضبط في جرعة الدواء أو متابعة الجلسات وكذلك مدة العلاج وبعد كده نتناقش في الأمور الغيبية لو العلاج منفعش.
اعتراض : يا دكتور مش عايزين أدوية نفسية لأنها هتدمره وهيدمنها وهيتعود عليها.
الطبيب يجيب: لا أبداً مش كل الأدوية النفسية كما تظن دى أفكار مش مضبوطة خالص عن الأدوية النفسية وبعدين أنا قصدى من العلاج إن ما يسمعه في أذنه مما لا يسمعه الناس أو اللى بيشوفه يروح وأنا هنيمه ليه ولو نومته بس هيقوم يسمع ويشوف نفس اللى بيسمعه ويشوفه من الخيالات والأصوات.
استفهام أهل المريض: ده يا دكتور لا عايز يستحمى ولا يغير هدومه ومهمل في نظافته وعايز يقعد في الحمام على طول كل ده نفسى.
الطبيب: نعم نفسى ودى الأعراض السلوكية للمرض الذهانى (الفصام).
أهل المريض: يادكتور يعنى الدواء هيضيع الأشباح اللى بيشوفها ويسمعها ويتكلم معاها…. ده برضه معقول.
الطبيب: هو يعنى المدمن بياخد عقاقير تخليه يهلوس إزاى وبيسموها حبوب هلوسة ولا المريض اللى في البنج هيعمل عملية ولما يجى يفوق يتكلم مع ناس مش موجودين ازاى – اذن هناك علاقة بين العقاقير والهلوسة إما تسببها أو تعالجها….. صح.

