الفرع الأول : الاستعانة بالجن
من الأمور الشركية الاستعانة بالغائب وهذا الأمر ولا حول ولا قوة إلا بالله لم يقتصر الوقوع فيه على الدجاجلة والمشعوذين وإنما إنجر معهم بعض المنتسبين لأهل السنة ويزعمون أنهم براء من الدجل وأهله واحتج هؤلاء ببعض النصوص والأقوال المروية عن شيخ الإسلام ابن تيمية وهذا ما سوف نرد عليهم من كلام شيخ الإسلام نفسه إن شاء الله بعد أن نبين أدلة شركية هذه الأساليب كما يلي :
1- أدلة النهي :
1- الاستعانة بالجن استعانة الغائب وهذا نوع من أنواع الكهانة والدليل على هذا أن تعريف الكاهن كما قال صاحب كتاب فتح المجيد أنه ” ما يخبر به الجن أولياءهم من الإنس عن الأشياء الغائبة بما يقع في الأرض من الأخبار فيظنه الجاهل كشفاً وكرامة وقد اغتر بذلك كثير من الناس يظنون المخبر لهم بذلك عن الجن ولياً لله ، وهو من أولياء الشيطان .
وثبت في البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها – قالت – سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أناس عن الكهان ، فقال : ” ليسوا بشيء ” فقالوا : يا رسول الله : إنهم يحدثون أحياناً بشيء فيكون حقاً ، فقال صلى الله عليه وسلم : ” تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيخلطون معها مئة كذبة ” وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ” .
وعن عمران بن حصين رضي الله عنه مرفوعاً ” ليس منا من تطير أو تطير به ، أو تكهن أو تكهن له ، أو سحر أو سحر له ، ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ” .
2- من الشرك الإستعانة بغير الله ، قال ابن كثير في تفسير قوله ” وإنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً ” ] الجن : 6 [ : أي كنا نرى أن لما فضلاً على الإنس ، لأنهم كانوا يعوذون بنا : أي إذا نزلوا وادياً أو مكاناً متوحشاً من البراري وغيرها ، كما كانت عادة العرب في جاهليتها يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان أن يصيبهم بشيء يسوؤهم ، كما كان أحدهم يدخل بلاد أعدائه في جوار رجل كبير وذمامه وخفارته ، فما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم زادوهم رهقاً : أي خوف وإرهاباً وذعراً ، حتى يبقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذا بهم – إلى أن قال – قال أبو العالية والربيع وزيد بن أسلم ” رهقاً ” أي خوفاً ، وقال العوفي عن ابن عباس ” فزادوهم رهقاً ” أي إثماً ، وكذا قال قتادة أ . هـ .
وذلك أن الرجل من العرب كان إذا أمسى بواد قفر وخاف على نفسه قال : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ، يريد كبير الجن ، وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز الاستعانة بغير الله .
وقال الفخر الرازي ” المعنى أن رجال الإنس إنما استعاذوا بالجن خوفاً من أن يغشاهم الجن ، ثم إنهم زادوا في ذلك الغشيان ، فإنهم لما تعوذوا بهم ولم يتعوذوا بالله استذلوهم واجترؤوا عليهم فزادوهم ظلماً .
3- من الشرك أن يستغيث بغير الله ، أو يدعو غيره :
قال شيخ الإسلام رحمه الله : الاستغاثة : هي طلب الغوث ، وهو إزالة الشدة ، كالاستنصار : طلب النصر ، والاستعانة : طلب العون .
والدعاء نوعان : دعاء عبادة ، ودعاء مسألة ويراد به في القرآن هذا تارة ، وهذا تارة ويراد به مجموعهما ، فدعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي من جلب أو كشف ضر ، ولهذا أنكر الله تعالى على من يدعو أحداً من دونه ممن لا يملك ضراً ولا نفعاً ، قال تعالى : ” قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا * أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ” ] الإسراء : 56 – 57 [ .
وقال طوائف المفسرين أنها نزلت في نفر من الجن كانوا يدعون في الجاهلية ثم إن هذا النفر من الجن أسلم فتبرأ ممن يدعونهم وصاروا هم يتضرعون إلى الله ويسألونه .
وقال شيخ الإسلام : كل دعاء عباده مستلزم دعاء المسألة وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة قال تعالى عن خليله : ” وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا * فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون ا لله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ” ] مريم : 48 ، 49 [ .
فصار الدعاء من أنواع العبادة لأن الداعي يرغب إلى المدعو ، ويخضع له ويتذلل .
وضابط هذا : أن كل أمر شرعه الله لعباده وأمرهم به ففعله لله عبادة ، فإذا صوف من تلك العبادة شيئاً لغير الله فهو مشرك مصادم لما بعث الله به رسوله من قوله ” قل الله أعبد مخلصاُ له ديني ” ] الزمر : 14 [ .
وقال تعالى : ” أمن جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله ” ] النمل : 62 [ وقال تعالى : ” قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعاً وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين * قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشكرون ” ] الأنعام : 63 ، 64 [ فالله المتفرد بإجابة المضطرين وأنه المستعان لذلك كله ، وأنه القادر على دفع الضر ، القادر على إيصال الخير ، فهو المنفرد بذلك .
فإذا تعين هو جل ذكره خرج غيره ، من ملك ونبي وولي وغيره .
والاستعانة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال ، أو إدراك عدو أو سبع أو نحوه ، كقولهم : يا لزيد ، يا للمسلمين ، بحسب الأفعال الظاهرة ، وأما الاستعانة بالقوة والتأثير ، أو الأمور المعنوية من الشدائد ، كالمرض وخوف الغرق والضيق والفتور وطلب الرزق ونحوه فمن خصائص الله ، لا يطلب فيها غيره .
ولا شك أن الاستعانة بالجن والاستعانة بهم من الأمور المعنوية وما لا يقدر عليه إلا الله .
ولما جاء نفر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستغيثون به من منافق يؤذي المؤمنين ، فقال بعضهم : قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” إنه لا يستغاث بي ، وإنما يستغاث بالله ” رواه الطبراني بإسناده .
وقال الشيخ حامد الفقي في التعليق على الكتاب ” وقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقدر على أن يغيثهم من ذلك المنافق ، فيكون نهيه صلى الله عليه وسلم عن الاستغاثة حماية لجنابة التوحيد ، وسداً لذرائع الشرك كنظائره مما للمستغاث به قدرة عليه مما كان يستعمل لغة وشرعاً مخافة أن يقع من أمتع استغاثة بمن لا يضر ولا ينفع ولا يسمع ولا يستجيب من الأموات والغائبين ، والطواغيت والشياطين والأصنام وغير ذلك .
4- قال تعالى : ” ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس و قال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلى ما شاء الله إن ربك حكيم عليم ” ] الأنعام : 128 [ وقال ملا على قاري الحنفي ” فاستمتاع الإنسي بالجني في قضاء حوائجه وامتثال أوامره وإخباره بشيء من الغيبيات ، واستمتاع الجني بالإنسي تعظيمه إياه ، واستعاذته به وخضوعه له ، انتهى ملخصاً.
5- كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية لا يدل على أنه ليس من الشرك : بدليل قوله صلى الله عليه وسلم ” من نزل منزلاً فقال : أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك ” .
وهذا بيان لأهل الإسلام أن الله شرع لهم أن يستعيذوا به بدلاً عمن يفعله أهل الجاهلية من الاستعاذة بالجن ، فشرع لهم أن يستعيذوا بأسمائه وصفاته وكلماته الشافية الكافية التي لا يلحقها نقص ولا عيب كما يلحق كلام البشر ، فإن الله أخبر عن كلماته التي هي القرآن ” هدى وشفاء ” .
6- قال شيخ الإسلام : ” والمسلمون إن تنازعوا في جواز التداوي بالمحرمات كالميتة والخنزير ، فلا يتنازعون في أن الكفر والشرك لا يجوز التداوي به بحال لأن ذلك محرم في كل حال ، وليس هذا كالتكلم به عند الإكراه ، فله ذلك إنما يجوز إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان ، والتكلم به إنما يؤثر إذا كان بقلب صاحبه ، ولو تكلم به مع طمأنينة قلبه بالإيمان لم يؤثر ، والشيطان إذا عرف أن صاحبه مستخف بالعزائم لم يساعده ، وأيضاً فإن المكره مضطر إلى التكلم ولا ضرورة إلى إبراء المصاب به لوجهين :
1- أنه قد لا يؤثر أكثر مما يؤثر من يعالج بالعزائم فلا يؤثر بل يزيده شراً .
2- في الحق ما يغني عن الباطل .
والناس في هذا الباب ثلاثة أصناف ، قوم يكذبون بدخول الجني في الإنس ، وقوم يدفعون ذلك بالعزائم المذمومة ، فهؤلاء يكذبون بالموجود وهؤلاء يعصون بل يكفرون بالمعبود ، والأمة الوسط تصدق بالجن الموجود ، وتؤمن بالإله الواحد المعبود ، وبعبادته ودعائه وذكره وأسمائه وكلامه ، فتدفع شياطين الإنس والجن .
7- لا يتم الاستعانة بالجن إلا بسؤالهم وهذا أمر لازم فلا يمكن لأحد أن يستعين بالجن دون سؤالهم وقد قال شيخ الإسلام ” وأما سؤال الجن وسؤال من يسألهم فهذا إن كان على وجه التصديق لهم في كل ما يخبرون له والتعظيم للمسئول فهذا حرام ، كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن معاوية بن الحكم السلمي قال : قلت يا رسول الله : أموراً كنا نصنعها في الجاهلية ، كنا نأتي الكهان ، قال ” فلا تأتوهم ” .
وأما إن كان يسأل المسئول ليمتحن حاله ويختبر باطن أمره وعنده ما يميز به صدقه من كذبه فهذا جائز ، كما ثبت في الصحيحين ” إن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ابن صياد فقال : ما يأتيك ؟ فقال : يأتيني صادق وكاذب ، قال : ما ترى ؟ اقل : أرى عرشاً على الماء ، قال : فإني قد خبأت لك خبيئاً ، قال : الدخ الدخ ، قال : أخسأ فلن تعد وقدرك فإنما أنت من أخوان الكهان ” .
وكذلك إذا كان يسمع ما يقولونه ويخبرون به عن الجن ، كما يسمع المسلمون ما يقول الكفار ، والفجار ليعرفوا ما عندهم فيعتبرونه ، كما يسمع خبر الفاسق ويتبين فلا يجزم بصدقه ولا كذبه إلا ببينه كما قال تعالى : ” يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ” ] الحجرات : 6 [ .

