وهذه المشكلة تثير جدلاً واسعاً حول إثباتها وعلاجها – حقيقتها وكذبها – فمن منكر ومن مثبت – من مستهزئ ومن مستعجب – ولحل الإشكال بين الفريقين نقرر أموراً هي :
1- الكتاب والسنة وإجماع الأمة أثبتوا أن للمس حقيقة وليس المجال لتعداد الأدلة فليس المقام ذكرها بالتفصيل وقد نقل أبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين : الإجماع على دخول الجن في بدن المصروع وخالف ذلك المعتزلة
2- هذا الموضوع مرتبط بعقيدة ودين وثقافة المجتمع فللسلوك صبغة اجتماعية يقرها الطب النفسي ولا ينفيها ويحترمها .
3- التصنيف الأمريكي الرابع أدخل ما يسمى ( بالتلبس ) ( Possession ) ضمن الاضطرابات الانشقاقية غير المصنفة . والتي لها صلة بثقافة المجتمعات .
4- هذا التصنيف لم يجعل التلبس وازدواج الشخصية أو تعدد الشخصية الانشقاقي لم يجعلهما وجهين لعملة واحدة ، بل جعل تعدد الشخصية الانشقاقي المرضي مرضاً متعدد الآثار حيث له آثار نفسية وعضوية واجتماعية وروحية .
أما التلبس فهو له آثار روحية فقط من الدرجة الأولى ولهذا دائماً لما يأتي الناس شاكين في المس بزعم أن المريض نافر من الصلاة ومن القرآن نسأل هل هذا النفور خاص فقط بالناحية الروحية أم عام يشمل الكثير من جوانب حياة الشخص ويأتي الجواب أنه شامل وعام لكل جوانب الشخص وينفر أيضاً من سماع الأغاني والأفلام مثلاً وليس مائلاً لسماع أي شيء مبهج وإنما دائماً يركز الناس على رد الفعل للقرآن وعلى أساس أنه مصدر انشراح الصدور وطمأنينتها .
5- التلبس في عرف علماء النفس هو نوع من انشقاق الشخصية أو انفصالها أو بمعنى أدق ازدواجيتها ( وليس معناه فصام الشخصية كما يسمي العامة ) وإنما ازدواج الشخصية . والتلبس هنا يتميز عن الازدواج أو الانشقاق في الشخصية في وجود شخصية ناطقة تعزى إلى الجن أو الأرواح من قبل المجتمع وترطن بلغة غريبة أو بطريقة غريبة وتدعي تملكها وسيطرتها على أحول الشخص وكل هذا والشخص نفسه بعد ذلك ( أي بعد ذهاب هذه الشخصية ) لا يتذكر شيئاً مما حدث ومما نطق على لسانه ومن أفعاله أثناء حضور الشخصية التي تعزى إلى الجن والأرواح .
6- التلبس الروحي ليس مرضاً نفسياً بمعنى أن جوانب حياة الشخص الاجتماعية والنفسية والعضوية إلى حد كبير سليمة وإنما المصاب عنده الجانب الروحي الخاص بالعبادة وسماع القرآن والصلة بالله أما الجوانب الأخرى فطبيعية .
7- لابد من مراعاة أمر هام وهو إذا كانت نوبات ظهور الشخصية الأخرى ( التي تعزى إلى الجن والأرواح ) يحدث تفاعلاً مع الجلسات الروحية والتحضيرية والعلاج الروحي الجماعي فإن هذا الأمر يعتبر عند علماء النفس أمر طبيعي ويفسر بالقابلية الشديدة للإيحاء عند هؤلاء الأشخاص ولهذا لا ننصح بحضور مثل هذه الجلسات .
أما إذا كان الصرع والنوبة الإغمائية تحدث تلقائياً من غير تحضير وإيماء من المعالجين ويحدث أثناء النوبة الإغمائية نطق شخصيات أخرى فهذا الأمر هو الذي يستدعي التدخل العلاجي .
العلاج :
1- أي شبهة وجود تعب نفسي أو عضوي عند الشخص فلابد من عرضه على الأطباء المختصين والمفترض أن يكون عندهم شفافية اجتماعية وقادرون على التفرقة بين التعدد الانشقاقي النفسي والتلبس والروحي .
2- إذا كان التشخيص تلبساً روحياً وهذا من قبل الأطباء والناحية النفسية سليمة إلى حد ما فهنا يحدد الطبيب نفسه طريقة العلاج وحتى لو استعان بالمعالجين الروحيين والشعبيين فيكون تحت إشرافه .
3- إذا تم عرض الشخص على المعالج الروحي أولاً وهذا الذي يحدث كثيراً فينبغي للمعالج الروحي أن يكون أميناً وصادقاً وخبيراً بطريقة التمييز بين الازدواج النفسي والتلبس الروحي حتى لا تتفاقم المشكلة وتزداد مرضاً إلى مرضها وهناك فرق بين إعتقادنا بإثبات حقيقة وجود المس عموماً وبين أن فلانا ً بعينه ممسوس .
4- إذا شك المعالج الروحي من وجود التلبس وأشار الطبيب إلى خلو الحالة من الخلل النفسي فعندها يكتفي المعالج بقراءة القرآن والأذكار والرقية التي من شأنها إبعاد هذه الشخصية أو الذات ( التي تعزى إلى الجن ) ولا ينبغي أن يجرى حديثاً مع الشخصية الأخرى إلا في أضيق الحدود وبما يزيده معرفة في حل المشكلة وينبغي أن يكون تركيز المعالج على العلاج على التشخيص المحتمل أو الموهوم .
5- نحذر من خطورة إلصاق تشخيص المس والسحر بالناس لأنه مسوغ لهروبهم من مشاكلهم وشماعة يسقطون عليها أخطاءهم ومبرر للتنصل من المسئولية أو للهروب من المواجهة أو لكسب التعاطف أو غيره من المكاسب وكل ذلك يفاقم المشكلة ولا يحلها وهذا الذي يفسر عدم استجابة كثير من الخالات للعلاج الروحي مع كثرة ترددها على المعالجين الروحيين .
6- ينبغي للمعالج الروحي أن يكون واسع الأفق في التعامل مع الحالة ولا يكون ضيق الأفق بمعنى يختزل العلاج الروحي في أمر إخراج جن أو صرف روح كما يزعم ولكن يركز على الجانب الروحي وهو علاقة الشخص بربه وهو الأساس ولهذا فإني أرى أن التلبس مشكلة روحية من الدرجة الأولى بمعنى أن الشخص المفترض أنه ممسوس أو متلبس إذا كان لا يعاني من أزمة روحية وصلته بربه طبيعية فهذا ينسف التلبس أو المس من أساسه ويحوله إلى مشكلة نفسية أو اجتماعية وعلاجها يكمن في التعامل مع هذه المشاكل .
7- العلاج الروحي شامل وكامل يعتمد في الأساس على إصلاح علاقة الشخص بربه عن طريق إصلاح عقيدته وعبادته وسلوكياته مع نفسه والآخرين ويعتمد على تضييق روحه وتزكيتها عبر طاعة الله والإيمان باليوم الآخر والتحلي بالأخلاق المعينة على الصبر والتحمل والاستعداد للقاء الله واعتبار الدنيا بمصائبها وغمومها مرحلة من المراحل ومرحلة قصيرة وهينة بالنسبة للدار الآخرة بثوابها وبقائها .
8- في العلاج الروحي لا ينبغي أن يعان الشخص على مزيد من السلبية عن طريق ألقاء التبعية كلها على المعالج وإلقاء الشماعة على الجن الماس كما يزعمون وإنما ينبغي أن يكون الشخص إيجابياً ومتفاعلاً ومواجهاً لنفسه وعيوبه وآفاته وساعياً في إصلاحها بمساعدة المعالج .أما أن تختزل المشكلة في أن هناك جن قابع علاجه بإخراجه وانتهى الأمر فهذا قصور نظر وزيادة في إعانة الشخص على السلبية وإسقاطه على الآخرين – بل نكون قد وسعنا دائرة الإسقاط حيث أصبحت تشمل الإنس والجن .
9- العلاج الروحي المنصب على طرد وإبعاد الجن لا ينبغي أن يكون طويلاً وينبغي أن تحدد له مدة قصيرة لا تتجاوز الثلاثة أشهر لأنه لو طال لأمرض الشخص نفسياً وزاده إنشقاقاً إلى انشقاقه .
10- دخول الشخص في العلاج الروحي القرآني من غير نتيجة دليل على خطأ في التشخيص فينبغي للمعالج أن يراجع نفسه .
11- الأساس والأصل أن بنا نفساً تمرض وكذلك جسداً ينصب ليس الأساس أن نمس من الجان كما يظن الكثير .
12- ليكن توجهنا علاجياً بغض النظر عن ذكر الأسباب الغيبية بمعنى نبتعد عن وصف الشخص بالمس والسحر والحسد فإن هذا يزيده وهماً ومرضاً ونركز على العلاج والرقية والإصلاح الروحي لحالة الشخص عموماً ولإعانته على مزيد من القرب من ربه سبحانه وتعالى وترسيخ عقيدة أن القرب من الله تعالى أكبر ضمان من الإصابة بالمشاكل الروحية سواءاً من المس أو السحر أو الحسد والله تعالى قد كفانا هذا العالم الغيبي بالإيمان به وبوحدانيته والاعتصام بحبله والتمسك بكتابه وذكره والاستعانة به تعالى . |
|