الرقية بمفهومها الأشمل هو ليس مجرد ترداد للآيات القرآنية والتعاويذ النبوية مجردة من الإيمان والعمل ولكن الرقية كالدعاء والله لا يجيب دعاء من قلبه غافل ساه يردد ترديد الببغاء من غير فهم أو يقين .
أ- مشروعية التداوي بالرقى :
الكلام عن مشروعية الرقى وجوازها إذا كانت وفق ما بين النبي صلى الله عليه وسلم أمر مشتهر وامتلأت كتب السنة الصحيحة به فمثلاً تجد البخاري في كتاب الطب يبوب باب الرقى والمعوذات .
وتجد مسلم في صححيه قد ذكر أحاديث عن الطب والرقى وبوب النووي وغيره على الصحيح باب الرقيه من العين والنملة والحمه والنظرة ومثل هذا تجده في سنن أبي داود كتاب الطب وفي غيره من أصحاب السنن .
وإذا كنا سوف نبين بإذن الله شيئاً مفصلاً عن أمور العلاج بالأدوية والرقى الإلهية فإن بذلك أيضاً نرد على بعض المنسوبين إلى العلم والدين والذين أعرضوا عن الاستشفاء بالقرى والمعوذات من الأمراض الروحية ( المس ، السحر ، النظرة ) وبعض الأمراض البدنية ( الحمه ، النمله ) وضربوا صفحاً عن نفعية الرقى الشرعية في شفاء القلوب والأبدان كل ذلك بدعوى أن هذا استخدام للقرآن في غير محله وأن القرآن إنما جاء كتاب هداية وشفاء لأمراض الشرك والكفر وفقط وعلى هذا حملوا الآيات الخاصة بشفاء القرآن كقوله ” وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ” وغيرها من الآيات فهؤلاء يرد عليهم بأن الأمر أعم من هذا والقرآن شفاء إذا صدقت وخلصت القلوب لما تعلمونه ولما لا تعلمونه من أمراض القلوب والأبدان ولو تدبرنا أحاديث الرقى وعملنا بها لكان فيها الغنية والكفاية في الرد على هؤلاء .
ليس طبه صلى الله عليه وسلم كطب الأطباء :
قال السيوطي في المنهج السوي في الطب النبوي : وليس طبه صلى الله عليه وسلم كطب الأطباء فإن طبه مستيقن قطعي إلهي صادر عن الوحي ومشكاه النبوة وطب غيره أكثر حدس وظنون وتجارب ولا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة فإنه إنما ينتفع به من تلقاه بالقبول ، واعتقاد الشفاء به وكما التلقي له بالإيمان والإذعان .
فإن لم يتلقى القرآن هذا التلقي لم يحصل به شفاء الصدور من أداؤها بل لا يزيد المنافقين إلا رجساً إلى رجسهم ومرضاً إلى مرضهم وأين يقع طب الأبدان فيه فطب النبوه لا يناسب إلا الأبدان الطيبة والقلوب الحية وإعراض الناس عنه ليس في قصوره وإنما لخبث الطبيعة وفساد المحل وعدم قبوله .
ب- معنى الرقية :
التعويذة بقراءة كلمات على المصاب رجاء البرء .
جـ- تعريف الرقية :
قال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في فتح المجيد في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم ” إن الرقى والتمائم والتوله شرك ” قال ( هي التي تسمى العزائم ، وخص منه الدليل ما خلا من الشرك ، فقد رخص فيه الرسول صلى الله عليه وسلم من العين والحمه ) يشير إلى أن الرقى الموصوفه بكونها شركاً هي التي يستعان فيها بغير الله ، وأما إذا لم يذكر فيها إلا أسماء الله وصفاه وآياته ، والمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فهذا حسن جائز ، أو مستحب .
ء- شروط الرقية :
قال الخطابي ، وكان عليه السلام قد رقى ورقى ، وأمر بها وأجازها ، فإذا كانت بالقرآن وبأسماء الله فهي مباحة أو مأمور بها ، وإنما جاءت الكراهة والمنع فيما كان فيها بغير لسان العرب ، فإنه ربما كان كفراً أو شركاً ، وقال شيخ الإسلام : كل اسم مجهول فليس لأحد أن يرقى به فضلاً عن أن يدعو به ، ولو عرف معناه ، لأنه يكره الدعاء بغير العربية ، وإنما يرخص لمن لا يحسن العربية ، فأما جعل الألفاظ الأعجمية شعاراً من دين الإسلام .
قال السيوطي : قد أجمع العلماء على جواز الترقي عند اجتماع ثلاثة شروط :
1- أن تكون بكلام الله أو بأسمائه وصفاته .
2- وباللسان العربي وما يعرف معناه .
3- وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى .
هـ- أدلة استحباب الرقى الشرعية من الأحاديث النبوية :
– ” اعرضوا علي رقاكم لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً ” صحيح مسلم .
– ” من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه ” قالها صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الرقى – صحيح مسلم .
– رقى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد اشتكيت ؟ فقال : نعم : قال جبريل عليه السلام باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ، من شر كل نفس أو عين حاسد ، الله يشفيك ، باسم الله أرقيك ” صحيح مسلم .
– لا رقية إلا من عين أو حمه أو دماً يرقأ ” .
وقال ابن القيم فر الرد على من احتج بالحديث على نفي جواز الرقية ما نصه .
” فالجواب أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد به نفي جواز الرقية في غيرها ، بل المراد به ، لا رقية أولى وأنفع منها في العين والحمه ، ويدل عليه سياق الحديث ” .
وقال الحافظ ابن حجر بعد ما ساق حديث عمران بن حصين ” وأجيب بأن معنى الحصر فيها أنهما أصل كل ما يحتاج إلى الرقية ، فيلتصق بالعين جواز رقية من خبل أو مس ونحو ذلك ، لاشتراكهما في كونها تنشأ عن أحوال شيطانية من إنسي أو جني ” ثم يقول : وفي مسلم من طريق يوسف بن عبد الله بن الحارث عن أنس قال : ” رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقى من العين والحمه والنمله : قروح تخرج في الجنب .
صفة الرقية وما يرقى به :
– عن عائشة قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى الإنسان أو كانت به قرحه أو جرح ، قال بأصبعه ، هكذا ووضع سفيان سبابته بالأرض ، ثم رفعها ، وقال ” بسم الله ، تربة أرضنا بريق بعضنا ، يشفي سقيمنا بإذن ربنا ” رواه البخاري والمسلم – أخرج مسلم في صحيحه عن عثمان بن أبي العاص ، أنه شكى إلى النبي وجعاً يجده في جسمه منذ أسلم ، فقال صلى الله عليه وسلم : ” ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل : بسم الله ثلاثاً ، وقل سبع مرات : أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر ” .
– أخرجا في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ، قال : انطلق نفر من أصحاب صلى الله عليه وسلم في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم ، فأبوا أن يضيفوهم ، فلدغ سيد ذلك الحي ، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه ، فقال بعضهم : لو آتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعلهم أن يكون عند بعضهم شيء فأتوهم فقالوا : يا أيها الرهط : إن سيدنا لدغ ، وسعينا له بكل شيء ينفعه ، فهل عندكم أحد منكم من شيء ؟ فقال بعضهم نعم والله جعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم ، فانطلق يتفل عليه ، ويقرأ : الحمد لله رب العالمين ، فكأنما نشط من عقال ، فانطلق بعضهم : اقتسموا ، فقال الذي رقي : لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنذكر له الذي كان ، فننظر ما يأمرنا ، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر له ذلك ، فقال : ” ما يدريك أنها رقيه ، ثم قال ” قد أصبتم ، اقسموا واضربوا لي معكم سهماً ” .
– عن عائشة رضي الله عنها ” أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات ، فلما ثقل أنفث عليه بهن ، وأسمح بيده نفسه لبركتها ” .
– عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ، ويقول : ” اللهم رب الناس اذهب البأس واشفه وأنت الشافي ، لا شفاء إلا شفاؤك ، شفاء لا يغادر سقماً ” .
– كان يعوذ الحسن والحسين رضي الله عنهما ” أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ، ومن كل عين لامة ” ويقول ” إن أباكم كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق ” .
– ثبت في سنن أبي داوود في كتاب الطب أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في ماء في إناء وصبه على المريض ” .
من مجموع ما ذكر تبين أن من صفة الرقى أن :
1- يقرأ واضعاً يديه على موضع الألم .
2- ينفث ويمسح باليدين الجسد ( والنفث : نفس مع بلل في الريق خالي من اليزاق ).
3- يقرأ في ماء ويصبه على المريض .
4- القراءة عند رأسه أو عليه والدعاء له .
5- جمع البزاق والتفل ( خصوصاً في اللدغ ).
6- أخذ شيء من الريق ووضعها على الأرض ثم على موضع الألم مع الدعاء.
رقية المعتوه بالفاتحة ثلاثة أيام:
وهو من حديث خارجه بن السلط التميمي عن عمه ” أنه أتى الرسول صلى الله عليه وسلم ” فأسلم ، ثم أقبل راجعاً من عنده على قوم عندهم رجل مجنون موثق بالحديد ، فقال أهله إنا حدثنا أن صاحبكم قد جاء بخير فهل عندك شيء تداويه ، فرقيته بالفاتحة فبرئ فأعطوني مائة شاة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فقال هل إلا هذا فلعمري لمن أكل برقيه باطل ، لقد أكلت برقيه حق ” أخرجه أبو داود والنسائي واسناد أبي داود اسناد الصحيح .
دفع شبهة حديث السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب
تكلم الإمام النووي عما يظن مخالفة بين الأحاديث التي تفيد جواز الرقى وحديث ” الذين يدخلون الجنة بغير حساب ” وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ” فقال لا مخالفة بل المدح في ترك الرقى المراد بها الرقى التي من كلام الكفار ،ووالرقى المجهولة التي بغير العربية ، ومالا يعرف معناها فهذه مذمومة لاحتمال أن معناه كفر أو قريب منه ، أو مكروه ، وأما الرقى بالقرآن ، والأذكار المعروفة فلا نهي فيها ، بل هي سنة ومنهم من قال الجمع بين الحديثين ، وإن المدح في ترك الرقى للأفضلية .
والراجح في هذه المسألة أن ترك الاسترقاء وهو طلب الرقية من الغير محمود وهو من كمال التوكل سواء كانت الرقى مشروعه أو غير مشروعة وذلك لأن المسترقي سائل مستعط وأما – الراقي فمحسن كريم إذا كانت رقيته مشروعه وقد ثبت رواية ” لا يسترقون ” في الصحيحين ويؤكد ذلك رواية سعيد بن جبير ” قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ولكن حدثني ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث السبعين ألفاً ” ففهم من هذا أن الاسترقاء تركه أولى أما رواية مسلم ” لا يرقون ولا يسترقون ” فقد تكلم في صحته ابن تيمية رحمه الله ورام تضعيفها بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد رقي ورقى جبريل جبريل عليه السلام فكيف يكون ذلك تركه أولى والصحيح أن الرواية ثابت ورواتها ثقات ويكفي في ذلك أخراج مسلم لها ولكنها تحمل على الرقية غير المشروعة جميعاً بين الأدلة وهذا يكون في حق الراقي والمسترقي على السواء فالسبعون ألفاً لا يرقون الرقى بالباطلة ولا يسترقون مطلقاً ولكن لو رقى الإنسان من دون طلب نفسه أي دون استرقاء لم يقدح ذلك في كمال توكله المستحب ولا في كونه يمكن أن يكون من السبعين ألف كما رقى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم وأما قول صلى الله عليه وسلم عن الجارية ” استرقوا لها ” فهو إذن في الاسترقاء لا إيجاب ولا استحباب لأن الأصل عندهم ترك ذلك والأمر بعد الحظر لا يفيد الوجوب ولا الاستحباب بل يرد إلى ما كان عليه قبله وهو هنا للإباحة ولا تنافي ترك الأولى .
الرد على من أنكر الشفاء التام للقرآن من الأدواء وزعم أنه شفاء للقلوب من داء الكفر وفقط ومعه بيان شيء من أسرار الفاتحة :
قال ابن القيم في زاد المعاد ومن المعلوم أن بعض الكلام له خواص ومنافع مجربه ، فما الظن بكلام رب العالمين والذي فضله على كل كلام كفضل الله على خلقه الذي هو الشفاء التام والعصمه النافعة ، والنور الهادي ، والرحمة العامة ، الذي لو أنزل على جبل لتصدع من عظمته وجلاله ، قال تعالى : ” وتنزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ” ” ومن ” هي هنا لبيان الجنس لا للتبعيض ، هذا أصح القولين فما الظن بفاتحة الكتاب التي لم ينزل من القرآن ، ولا في التوراة ، ولا في الإنجيل ، ولا في الزبور مثلها المتضمن لجميع معاني كتب الله ، المشتملة على ذكر أصول أسماء الرب ومجامعها وهي الله والرب والرحمن واثبات المعاد وذكر التوحيدين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وذكر الافتقار إلى الرب سبحانه في طلب الإعانة وطلب الهداية ، وتخصيصه سبحانه بذلك ، وذكر أفضل الدعاء على الإطلاق وأنفعه وأفرضه ، والعباد أحوج شيء إليه ، وهو الهداية إلى صراط المستقيم المتضمن كمال معرفته وتوحيده وعبادته – بفعل ما أمر به ، واجتناب ما نهي عنه ، الاستقامة عليه إلى الممات ، ويتضمن ذكر أصناف الخلائق وانقسامهم إلى منعم عليه بمعرفة الحق ، والعمل به ومحبته ، وإيثاره ومغضوب عليه بعدوله عن الحق بعد معرفته له ، وضال بعدم معرفته له ، وهؤلاء أقسام الخليقة مع تضمنها لإثبات القدر ، والشرع ، والأسماء ، والصفات ، والمعاد والنبوات وتزكية النفوس وإصلاح القلوب ، وذكر عدل الله وإحسانه والرد على جميع أهل البدع والباطل وحقيق بسورة هذه بعض شأنها أن يستشقي بها من الأدواء ويرقى بها اللديغ .
وبالجملة فما تضمنته الفاتحة من إخلاص العبودية والثناء على الله وتفويض الأمر كله والاستعانة به ، والتوكل عليه ، وسؤاله مجامع النعم كلها ، وهي الهداية التي تجلب النعم ، وتدفع النقم ، ومن أعظم الأدوية الشافية الكافية .
وقد قيل أن موضع الرقية منها ” إياك نعبد وإياك نستعين ” ولا ريب أن هاتين الكلمتين من أقوى أجزاء هذا الدواء ، فإن فيهما من عموم التفويض والتوكل والالتجاء والاستعانة والافتقار والطلب ، والجمع بين أعلى الغايات ، وهي عبادة الرب وحده ، وأشرف الوسائل وهي الاستعانة به على عبادته ما ليس في غيرها ، ولقد مر بي وقت بمكة سقمت فيه ، وفقدت الطبيب والدواء فكنت أتعالج بها ، آخذ شربه من ماء زمزم ، وأقرؤها عليها مراراً ، ثم أشربه ، فوجدت بذلك البرء التام ، ثم صرت أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع فأنتفع بها غاية الانتفاع .
سر تأثير الرقية
قال ابن القيم ” وفي تأثير الرقى بالفاتحة وغيرها في ذوات السموم سر بديع ، فإن ذوات السموم أثرت بكيفيات نفوسها الخبيثة ، وسلاحها حماتها التي تلدغ بها وهي لا تلدغ حتى تغضب ثار فيها السم ، فتقذفه بآلتها ، وقد جعل الله تعالى لكل داء دواء ، ولكل شيء ضدا ، ونفس الراقي تفعل في نفس المرقي فيقع بين نفسيهما فعل وانفعال ، كما يقع بين الداء والدواء ، فتقوى نفس الراقي وقوته بالرقية على ذلك الداء ، فيدفعه بإذن الله ، ومدار تأثير الأدوية والأدواء والانفعال وهو كما يقع بين الداء والدواء يقع بين الداء والدواء الروحاني والطبيعي ، وفي النفث والتفل استعانة بتلك الرطوبة والهواء ، والنفس المباشر للرقية والذكر والدعاء ، فإن الرقية تخرج من قلب الراقي وفمه ، فإذا صاحبها شيء من أجزاء باطنه من الريق والهواء والنفس ، وكانت أتم تأثيراً ، وأقوى فعلاً ونفوذاً ، ويحصل بالإزدواج بينها كيفية تقابل تلك النفوس الخبيثة ، وتزيد بكيفية نفسه ، وتستعين بالرقية وبالنفث على إزالة ذلك الأثر وكلما كانت كيفية نفس الراقي أقوى ، كانت الرقية أتم واستعانة بنفثه كاستعانة تلك النفوس الرديئة بلسعها .
وفي النفث سر آخر ، فإنه مما تستعين به الأرواح الطيبة والخبيثة ، ولهذا تفعله السحره كما يفعله أهل الإيمان . قال تعالى ” ومن شر النفاثات في العقد ” وذلك لأن النفس تتكيف بكيفية الغضب والمحاربة ، وترسل أنفاسها سهاماً لها ، وتمدها بالنفث ، والتفل الذي معه شيء من الريق مصاحب لكيفية مؤثرة والسواحر تستعين بالنفث استعانة بينه ، وإن لم تتصل بجسم المسحور ، بل تنفث على العقدة وتعقدها وتتكلم بالسحر ، فيعمل ذلك في المسحور بتوسط الأرواح السفلية الخبيثة ، فتقابلها الروح الزكية الطيبة بكيفية الدفع والتكلم بالرقية ، وتستعين بالنفث ، فأيها قوى كان الحكم له ، ومقابلة الأرواح بعضها لبعض ومحاربتها وآلتها من جنس مقابلة الأجسام ، ومحاربتها وآلتها سواء ، بل الأصل في المحاربة والتقابل للأرواح والأجسام آلتها وجندها ولكن من غلب عليه الحس لا يشعر بتأثيرات الأرواح وأفعالها وانفعالاتها لإستيلاء سلطان الحس عليه ، وبعده من عالم الأرواح ، وأحكامها وأفعالها والمقصود أن الروح إذا كانت قوية وتكيفت بمعاني الفاتحة ، واستعانت بالنفث والتفل ، قابلت ذلك الأثر الذي حصل من النفوس الخبيثة . فأزالته والله أعلم .
من أسرار النبوة في الرقى ( العدد ) :
عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” من عاد مريضاً لم يحضر أجله ، فقال عنده سبع مرات أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك ، إلا عافاه الله من ذلك المرض ” وذكر الشوكاني إن هذا العدد من أسرار النبوة ، فليس لأحد أن يطلب العلة لذلك أو يبحث عن السبب ، وهكذا كل عدد يرد عن الشارع صلى الله عليه وسلم فهو من أسرار النبوة .
فطريق الرقية الأمثل والمجربة والموافقة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وفق الأدلة : وهي قراءة الفاتحة ” أم الكتاب ” سبع مرات ، وآية الكرسي ثلاث مرات ، والقوافل ثلاث مرات .
شروط الانتفاع بالرقية :
قال ابن القيم في الداء والدواء : ” ولكن ههنا أمر ينبغي أن يتفطن وهو أن الأذكار والآيات أو الأدعية التي يستشفي ويرقى هي في نفسها نافعة شافية ولكن تستدعي :
1- قبول المحل .
2- قوة الهمة من الفاعل وتأثيره .
فمتى تخلف الشفاء كان السبب :
أ- ضعف تأثير الفاعل .
ب- عدم قبول المنفعل .
جـ- مانع قوي فيه يمنع أن ينجح فيه الدواء .
فإن الطبيعة إذا أخذت الدواء بقبول تام كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول ، فكذلك القلب إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول تام ، وكان للراقي نفس فعاله ، وهمه مؤثرة في إزالة الداء .
واعلم أن هذه الرقى أسلحة محتاجة إلى إيمان قائلها ، وقوة نفسه ، واستعداده وقوة توكله وثبات قلبه والسلاح بضاربه .
رقية أجازها شيخ الإسلام بن تيمية .
قال شيخ الإسلام ” يجوز أن يكتب للمصاب وغيره من المرضى شيئاً من كتاب الله وذكره بالمداد المباح ويغسل ويسقي كما نص على ذلك أحمد وغيره قال عبد الله بن أحمد : قرأت على أبي ثنا يعلي بن عبيد ثنا سفيان عن محمد بن أبي ليلى عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : إذا عسر على المرأة ولادتها فليكتب : بسم الله لا إله إلى الله الحكيم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم .
الحمد لله رب العالمين ” كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ” ]النازعات : 46 [ ” كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون ” ] الأحقاف : 35 [ .
قال أبي ثنا أسود بن عامر باسناده بمعناه وقال يكتب في إناء نظيف فيسقى ، قال أبي ، وزاد فيه وكيع فتسقى وينصح مادون سرتها ، قال عبد الله ، رأيت أبي يكتب للمرأة في جام أو شيء نظيف .
وهذه الرقية أجازها من قبل إمام من أئمة التفسير وهو مجاهد رحمه الله حيث قال : لا بأس أن يكتب القرآن ، ويغسله ، ويسقيه المريض ، ومثله قال أبي قلابه .
الرقى والمعوذات علاج وقائي وحالي :
روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله : ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة فقال : ” أما لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ، لم تضرك ” .
وكما في سنن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في السفر يقول بالليل : ” يا أرض ، ربي وربك الله ، أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك ، وشر ما يدب عليك ، أعوذ بالله من أسد وأسود ، ومن الحية والعقرب ، ومن ساكن البلد ، ومن والد وما ولد ” .
جواز أخذ الأجر على الرقية :
من باب إتمام الفائدة نتحدث عن هذا الأمر حيث أنه يثار الجدل حوله دائماً فوجب علينا بيانه بالأدلة الثابتة حتى لا نرمي أحداً بغير بينه وحيث أن هناك اعتقاد شبه سائد عند الناس وهو أن من يأخذ أجر على الرقية يعد عندهم دجال ومشعوذ ويحاول ابتزازهم واستغلالهم حتى لو كانت طريقته شرعية وسليمة ، وأما من لا يأخذ أجر على الرقية يعد عندهم سليم النية والطوية وذو طريقة شرعية حتى لو كان دجالاً أو مشعوذاً ويستخدم الطرق الشركية فأصح الميزان عند بعض الناس وهو يأخذ ومن لا يأخذ ولهذا وجب بيان هذا الأمر ، وفي الحقيقة إن الناس الذين ليس عندهم دراية عن هذا الأمر معهم بعض العذر لأن الذي يعطي الناس ولا يسألهم يرغبون في طريقته مهما كانت ويأسرهم بزهده فيما أيديهم وربما يفتنون به ، وأما من يأخذ منهم ويطمع فيما عندهم من المعالجين فإنهم يستاءون منه وينفرون منه وهذه من الأمور المغروسة في طباع البشر .
ومما ينبغي التنبيه عليه أن هذا الأمر من أعمال المرسلين لأنه يقوم على محاربة الشياطين ودفع كيد الظالمين عن الناس ولهذا ينبغي أن لا يتخذ بنية تجارية لأنه من الأعمال التي يبتغي بها وجه الله وأخذه بهذه النية يتنافى مع كونه رسالة من فروض الكفايات فلا يغالي فيها فتضيق الدائرة على الناس وينصرف الناس عن معالجي أهل السنة ويذهبون إلى الدجاجلة والمشعوذين والكنائس التي ربما تعالجهم دون المساس بأموالهم وبالتالي يكون من ضيق عليهم وأرهقهم مشارك في إثم ذهابهم إلى هؤلاء الدجالين والمشعوذين .
وأيضاً من باب تشجيع الناس وحثهم على الذهاب لمن سلمت عقيدته وصحت طريقته فيجدون عند البديل الشرعي والغنيه والكفاية والاستغناء عن الذهاب إلى من سواه ولهذا ينبغي أن يكون أخذ الأجر في حدود ضيقة جداً والأولى تركه تماماً حتى لا يمس كون الأمر رسالة وعمل من أعمال الرسل يرضي الله عن فاعله .
الأدلة على جواز أخذ الأجر على الرقية :
1- حديث الصحيحين والذي سبق ذكره عن خبر سيد الحي اللديغ والذي لم يرقه الصحابة حتى طلبوا من قومه أن يجعلوا لهم جعلاً وأجازهم النبي صلى الله عليه وسلم وأكل معهم وقد نقل ابن حجر عن الجمهور جواز أخذ الأجرة على الرقية ثم قال : في الحديث :
أ- جواز الرقية بكتاب الله ويلتحق به ما كان بالذكر والدعاء المأثور .
ب- وفيه جواز قبض الشيء الذي ظاهره الحل وترك التصرف فيه إذا عرضت فيه شبهه .
جـ- وفيه الاجتهاد عند فقد النص وعظمة القرآن في صدور الصحابة .
د- وفيه أن الرزق المقسوم لا يستطيع من هو في يده منعه ممن قسم له .
هـ- وفيه الحكمة البالغة حيث اختص العقاب من كان رأساً في المنع لأن من عادة الناس الإئتمار بأمر كبيرهم .
2- قال النووي في شرح مسلم : في الحديث جواز أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة والذكر وأنها حلال لا كراهية فيها .
3- قال ابن قدامة في المغني ” فأما الأخذ على الرقية فإن أحمد اختار جوازه وقال : لا بأس ، وذكر حديث أبي سعيد في الصحيحين .
4- قال ابن حزم في المحلى ” والإجارة جائز في الرقى واستدل بحديث أبي سعيد المذكور .

