الفراغ العاطفي يقتل المشاعر ويفجر الاحتقان النفسي

أسباب تزيد من الحب وتجدد العلاقة بين الزوجين:
هناك سبعة أسباب جوهرية استقر عليها المختصون في القضايا الزوجية تساعد على بقاء الحب بين الطرفين أو بمعنى أدق من الممكن أن تطيل من سنوات انتعاشه وتجدده، واكتمال العناصر الآتية يعتبر شيئاً مثالياً، قد يكون بعيد المنال وإن لم يكن محالاً تحقيقه، ولكن كلما زاد وتوفر عدد من هذه العناصر المجتمعة كان ذلك أدعى للنجاح وأقرب إلى الكمال، الذي يمكن أن يؤدي إلى حياة زوجية ناجحة ومتكاملة، نحددها في العناصر التالية:
1- احترام الإنسان وحبه لذاته:
وهذا العنصر قد يبدو غريباً، رغم أن معناه إيثار النفس وترك الأنانية، ومن المعروف أن فاقد الشيء لا يعطيه، فإذا أدركنا هذا الشيء أدركنا أهمية حب الإنسان لذاته، فكثير من العلاقات الزوجية تصاب بالفشل، لأن طرفاً من أطرافها لا يكن لنفسه الحب الذي يستحق أو يرضى عنه.

2- ضرورة وجود قناة جيدة للتفاهم، والاتصال:
لأن العلاقة الزوجية تقوم على طرفين لكل منهما تكوين النفس الخاص به، ويظهر هذا التكوين أشد ما يظهر عند الخلافات الزوجية، أو في المواقف الصعبة التي يمر بها الطرفان، فالتفاهم الجيد والقدرة على تبادل الرأي والمشورة والمصارحة الواعية الفاهمة، وتفهم كل منهما لنفسية الآخر، كل هذا قادر على إنعاش الحب، والبعد عن الاختناق بغاز النكد السام ودفنه تحت ركام برودة الإهمال والتجاهل.

3- القدرة على مواجهة الخلافات بشكل فعال وحاسم:
فكثير من الأزواج وخاصة بعد مرور وقت كاف على الزواج يبدؤون في التهرب من مواجهة الأزمات أوالمشكلات، ويقوم كل طرف بإلقاء حمل المسئولية كاملاً على الطرف الآخر، وقد يكون الزوج الذي يهرب بنفسه بعيداً عن مشكلات البيت، وتزاحم حجم المسئولية فيه ويجد في أصدقائه أو ناديه، أو حتى عمله ملاذاً للظفر براحة أعصابه، ملقياً بكل مسئولية البيت ومشكلاته على كتفي زوجته دونما مشاركة بالرأي أوالمشورة.

4- تجديد الأمل في الحب والبعد عن الإغراق في الخيال:
يلعب الإعلام دوراً مهماً، ومؤثراً في عملية الحب بين الزوجين، أوعلى أقل تقدير ما يصيب الحياة الزوجية من برودة مميتة، فكل قصص الحب التي تزخر بها المجلات والصحف والكتب وما يقدم عبر الفضائيات والإذاعات، تتحدث عن نوع غريب من الحب لا يوجد في الحياة الزوجية الواقعية، وهو حب ملتهب لا يتوقف أمام ظروف الحياة، ونتيجة لهذا الضغط الإعلامي تغرق الزوجة نفسها في الحسرة، ويغلق الزوج على نفسه عالم الأوهام والأحلام إن لم يسع للحصول على ذلك الحب المستحيل خارج بيته.

5- تنمية الأماني، والاهتمامات المشتركة:
ولكي يعيش الحب والعاطفة عمراً أطول مما هو مفترض له، فإنه من المهم أن تكون هناك أحلام وآمال لهذا الحب، وعلى الطرفين أن يعملا على بلوغها وتحقيقها، فالزوجان يجب أن يحددا أهدافاً، أو آمالاً لحياتهما ويعملا على تحقيقها، ويذكيان جذوة الحب بينهما، فالحب بلا أمل أو هدف لا يلبث أن يتلاشى ويموت.

6- أن يستطيع كل طرف تقدير الطرف الآخر واحترامه:
وهذا العنصر من أهم العناصر لوجود زواج ناجح، لأننا كبشر نفقد الاهتمام بما نملك، ولا ندرك قيمته إلا بعد أن نفقده أو يسلبه منا آخرون، لذا يجب أن يتوفر الاحترام بين الطرفين قدر الإمكان.

7- الأمل والأمان:
وإذا لم يتواجدا في الحياة الزوجية بشكل دقيق متوازن قد يكون ضررهما أكثر من نفعهما ذلك أن المرأة بطبعها وتكوينها تبحث عن الشعور بالأمان، وتريد أن تحتمي برجل ولكن عندما تستقر في بيت الزوجية وتحصل على الأمان، فإنها لا تلبث أن تفتقد عنصر التجديد.

العلاج:
لا ينبغي تَصَيُّد الأخطاء والسرعة في تكييل الاتهامات بالتقصير والإهمال وما إلي ذلك، فبكل تأكيد هناك أوقات تشتد فيها وتيرة العمل ويكون الرجل في ذروة انشغاله وهناك أوقات للعطلات سواء عطلات نهاية الأسبوع أو الإجازات الأكثر طولا، فعندما يكون الزوج في ذروة انشغاله، علي الزوجة أن تراعي ذلك وتبتعد عن حب الذات ولا تصب جام غضبها علي زوجها متهمة إياه بالتقصير وعدم الاهتمام بشعورها في أوقات خاصة، وعلي الرجل أيضا أن يجعل أوقات العطلات كاملة لزوجته ليعوضها فترات الوحدة التي تعانيها ويجعل منها لحظات رومانسية رائعة تعطيها شحنة تعويضية أثناء فترة انشغاله وأن يهتم بالابتعاد تماما عن أعماله في فترة العطلات أو حتي فترة دورية يخصصها “لعائلته فقط”.

والعلاج النافع للزوجين يكون فى ابتكار كل جديد وطريف دائما، لتجديد هواء حياتهما الزوجية وإنعاش حبهما.

ولكي تدوم جذوة الحب بين الزوجين، وللقضاء على الملل والروتين الزوجي، عليهما أخذ إجازة قصيرة يسافران فيها فيذهبان إلى استراحة أو مزرعة، ويتركان المنزل لعدة أيام يجددان فيها الحيوية وينطلقان كالعصافير دون حواجز بينهما أو التزامات، تلك الإجازة لتجديد الحب وإنعاشه.

كذلك الاحترام ضروري ليدوم الحب بين الزوجين، وإذا عرف كل منهما واجباته وحقوقه دام الحب، كذلك الابتسامة الرقيقة، وعدم قول الكلام الجارح واللاذع، الذي يؤدي أحياناً إلى النفور، وكذلك المصالحة بعد الخصام تثير الكثير من الحب والمشاعر المدفونة في معترك الحياة.

وعلي الزوجة أيضا أن تعمل علي ملأ فراغ حياتها فلا تقصر حياتها برمتها علي وجود زوجها الذي يضطر تحت ضغوط الحياة أن يبتعد عنها أو يسافر أو ما إلي ذلك.

كيف تستغل المرأة وقت الفراغ؟
وقت الفراغ مشكلة قائمة بذاتها بل هي أم المشاكل أو السبب الجوهري وراء الكثير من المصائب، فالإنسان الذي يعرف كيف ينظم وقته وينسق حياته بطريقة منظمة، بحيث يستغل كل طاقاته لنفع ذاته ولفائدة الناس سيقضي على شيء اسمه البطالة التي تدفعه إلى الاستغراق في التفكير والقلق والحرمان وبالتالي الشعور بالكآبة.

وسأتناول المرأة على وجه الخصوص باعتبارها العنصر الحيوي في دفع دفة المجتمع إلى الأمام لأنها الطاقة الكامنة وراء حيوية المجتمعات وتطور الشعوب، فبمقدار ما تكون شخصيتها وكيانها ونضوجها الفكري تتحدد نوعية الأسرة، وبالتالي التشكيلة الواضحة للمجتمع، فنابليون بونابرت يقول: “إذا أردت معرفة مقدار تمدن الشعوب وتطورها فما عليك إلا أن تنظر إلى أخلاق نسائها”.

فالأسرة لابد لها من مهام عظيمة من ترتيب وتنسيق وتنظيم الأدوار تقوم بها الزوجة رغم وجود الخادمة لأنها ـ أي الزوجة ـ هي التي تشرف على أعمال الخادمة وتوجيهها، والتعاون معها في البحث عن أماكن القصور التي تنساها الخادمة، أضف إلى ذلك تربية الأولاد الصغار وتعليم الكبار ومداراة الزوج، ثم الارتباط بوظائف اجتماعية من زيارات ونزهات ومشاغل كثيرة، ورغم كل هذه المهام يبقى وقت فراغ كبير لا تعرف أغلب النساء كيف تستغللنه فبعضهن يقتلن الوقت دون فائدة، كالتسكع بالشوارع والأسواق ولقاءات تافهة مع شخصيات مريضة ليس لها همّ إلا الثرثرة والغيبة والنميمة التي تعكس آثاراً سلبية من حيث هدم المبادئ ومسخ الشخصية، لتصبح المرأة إنسانة عاطلة وعبئاً على نفسها يأكل الفراغ من فكرها كل المعاني الجميلة والأهداف السامية.

فتراها تعيش حياة قلقة غير مستقرة تنظر إلى الحياة نظرة سوداوية، لأن العمل والإنتاج سواء داخل البيت أو خارجه يضيفان حالة من الحيوية والنشاط والسعادة في الاتجاه نفسه، وهذا يجره بالتالي إلى المزيد من العطاء والإنتاج لخدمة الآخرين ونفعهم.

فالوقت شيء ثمين لابد أن نغتنمه ونستفيد منه، فهذا لقمان الحكيم يوصي ولده:
(اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، صحتك قبل مرضك، وفراغك قبل شغلك، ومالك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك).

هذا العمر الثمين الذي سوف نحاسب عليه يجب أن يستغل بكل ما هو مفيد، فالبطالة تدفع إلى الملل والروتين والإحساس بالإحباط، والعاطل إنسان ناقص لا قيمة له في الحياة، مشلول الإرادة، عاجز عن اللحاق بالآخرين من أجل زرع بذرة الخير والأمل في طريقه، فيقع ضحية للوسواس والحزن، وبالتالي يقع في شراك المشاكل والويلات.

والمرأة الذكية تستطيع أن تنظم حياتها اليومية وتحدد ساعات خاصة للمطالعة في الكتب القيمة والبحث في أمور تفيد بيتها وأولادها مثل موضوع الإسعافات الأولية لتفادي المخاطر الصحية التي تهجم فجأة على البيت، كذلك الاهتمام بالأمور التربوية التي تفيد الأولاد مع تنمية العقيدة فيهم منذ نعومة أظفارهم فلماذا لا تفكر المرأة في تطوير نفسها فكرياً وتهذيب شخصيتها وصقل مواهبها؟

متى تعرفين كيف تستغلين فراغ الوقت في قضايا مفيدة وبنّاءة؟
هناك الكثيرات ممن يعرفن كيف ينظمن حياتهن ويسخرن فراغ أوقاتهن في القراءة والكتابة والبحوث العلمية وتجاربهن الشخصية في مجالات متعددة، حيث يكتبنها في مقالات أو قصص ويبعثنها إلى الصحف والمجلات لفائدة الناس وهذا مثال للسيدة (ـــــ ) فهي ربة بيت لكنها ألفت كتاباً مهماً ذا قيمة عالية فنفذ من الأسواق بسرعة فائقة.

لقد أرادت هذه السيدة البيتية رغم مشاغلها أن تساعد زوجها مادياً، وفي الوقت نفسه تسخر فكرها لخدمة المجتمع فكتبت تقول:
(لقد كتبت القسم الأعظم من كتابي هذا عندما كان طفلي الصغير ينام ساعتين في النهار، فأستغل تلك الفرصة وأمضي في عملي العلمي وإن الكثير من مطالعاتي كنت أقوم به حينما أذهب إلى الكوافير لأجلس تحت جهاز تجفيف الشعر).

فإن لم تستطع المرأة أن تخوض هذا المجال الرائع عليها أن تفهم طبيعة عمل زوجها وتقرأ معه الكتب أو القضايا التي تخص مجال عمله فتساعده وتناقشه وتشاركه فكرياً وتفهم كل ما يطرحه عليها.

وهناك مجالات كثيرة تستدعي أن تخوضها المرأة بدراية وفهم كتفسير القرآن الكريم وسيرة الأنبياء وتعاليم الدين وأصوله وتجارب التاريخ والقضايا التربوية والنفسية، كذلك تتبع المقالات السياسية لتعرف التطورات العالمية أولاً بأول، فالمرأة الفارغة ليست هي تلك التي تجلس في البيت دون وظيفة خارجية، بل هناك موظفات وعاملات في قطاعات مختلفة يسقطن في وحل الفراغ والرتابة.

المهم هو مقدار ما تستطيع فيه المرأة أن تستغل كل لحظة من لحظات حياتها لخدمة بيتها أولاً والمجتمع الإنساني ثانياً، وهناك مجالات كثيرة تستطيع فيها المرأة أن تبدع وتنتج وتساهم في تقدم مجتمعها كالخياطة، والرسم، والتصوير، والتطريز، وهذه أمور فيها شيء من اللهو والمتعة البريئة لكنها في الغالب تنمي المواهب وتذكي العقل، وتوفرمورداً مالياً لميزانية الأسرة.

فالمرأة طاقة عظيمة من العقل والعاطفة والإبداع، تكسب من خلال استغلالها لهذه الطاقة احترام زوجها وتقدير مجتمعها، وليس كل عمل يتطلب خروجك من البيت بل من خلال وجودك في عقر دارك وفي حضن أسرتك تستطيعين أن تكوني كاملة وعالمة وعنصراً نشطاً في معترك الحياة طالما سخرت كل ما وهبه الله لك في النفع العام.

ولا خير في أن تبدد المرأة سحب الملل من حياتها وتغير مجالس الاسترخاء أمام التلفزيون ومع الأخريات اللاتي يعشن على فتات الآخرين ونقائصهم الدفينة إذ إن هناك في الحياة وجهاً آخر أكثر عمقاً وأنبل هدفاً يستحق منا أن نحتويه ونستغله، فلا نتلف عمرنا ونبدده بالضياع والبطالة والاسترخاء والنوم والكسل، وقد وصلت المجتمعات المتقدمة إلى ما هي عليه من حيث التطور العلمي والفكري نتيجة هذا النظام المنسق للحياة واستيعاب المفهوم الحقيقي لها ومحاولة المرأة أن تكشف كل النقاط المبهمة والغامضة وتسخيرها لملء هذا الفراغ لتحقيق أكبر فائدة ممكنة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *